حياة لوزة

من دفتر القصص القديمة: حياة لوزة

تعود هذه القصة إلى ما قبل 1990م، وهى تعود فى صياغتها الحالية إلى 1990م، وقد آثرتُ أن أقدمها كما هى، دون تعديل، أو حتى تصحيح، وذلك حتى تحتفظ بانتسابها للفترة الزمنية والعمرية التى تعود إليها، وإن كانت تحتاج تكثيفاً وتنقيحاً.

أنا من أرض مصر، نبتُّ فى أرضها، نمَوتُ فى تربتها، ترعرعت تحت أشعة شمسها الدافئة الجميلة، عشتُ حياتى كلها فى هذه الأرض السمراء، هذه الأرض التى تحتضننى فى دفء وحنان حتى صارت هى أمى التى أنجبتنى وهى فعلاً كذلك. عشت حياتى يداعبنى نسيمها حتى صار هو صديقى الذى أناجيه ويناجينى، أبثه شكواى فيريح صدرى بحسن استماع وجميل رد. أظلتنى شمسها من برد الحياة وما أبردها الحياة بدون أرض كهذه ذات سماء ونسيم وشمس الجمال والرحمة صفتهم الغالبة.

     عشتُ عمرى الطويل كله هنا فما أصعبه الفراق إذن. هأنذا أجد نفسى وقد حُبستُ بعيداً عن الشمس التى أحب وبعيداً عن النسيم الذى لا شك أن غيابى قد حيره وآلمه. والآن بعد الحبس ماذا فعلوا بى. لقد مثلوا بى فصلوا أجزائى عن بعضها البعض حتى صرتُ كالميت لكن روحى كانت ما تزال عائشة تتغنى بحب الأرض السمراء، كان يعزينى فى سجنى وعذابى أنى ما زلت فوق أرض مصر تحت سمائها أتنفس هواءها.

الآن اكتشفت أنى كنتُ ساذجاً عندما ظننت أن ما حل بى هو أقسى ما يمكن. فقد وجدتنى أبتعد عن أرض مصر ذاهبا للمنفى. حيث الشمس لا تبعث الدفء والنسيم لا يسعد النفس والأرض عاجزة عن ضم الجذور فى عطف وحنان.

وجدت نفسى أخيراً أنا الذى كنت شجرة قطنٍ فى مصر وغادرتها قميص محبوس فى كيس يعزلنى عن العالم الخارجى، وجدت نفسى أستقر على جسد إنسان يتحدث لغة لا تطربنى كنت بعيداً كل البعد عن أرض مصر بعيداً عنها بالأصباغ التى غمرتنى بالأزرار التى أُدمجت فى جسدى المنهك، ولكن روحى لم تكن تبعد أبداً عن الأرض الأم.

حاولتُ ان أرضى بما أصابنى من بلوى لكنى عدت فقررت أن أحاول أن أجعل ما حولى مصر أخرى أتمتع فيها بما فقدته برحيلى عن مصر رجوت الرياح:

– أيتها الريح أنت تدرين بحالى فاصنعى لى نسيماً كنسيم مصر أتعرفين نسيمها، إن كنت تعرفيه فاصنعى لى مثله.

     وكانت رؤوفة فصمتت كأنما كانت ترد علىَّ بصمتها ثم شعرت بنسيم يكاد يشابه ما اعتدته فى مصر كان ما أشعر به قريباً مما فى أرض مصر وإن لم يكن هو.

     شجعتنى استجابة الرياح أن أطلب طلباً مشابهاً من الشمس فقلت لها:

– أيتها الشمس إنكِ تحبين مصر وتختصيها بدافئ أشعتك الذهبية أنا جزء من مصر امنحينى من أشعتك التى ترسليها إلى مصر.

     وكان رد الشمس دفئاً أعاد إلىَّ حياة كنت قد نسيتها أو كدت أعاد لى حياة الدفء والسعادة وكدت أرضى بما حصلت عليه . . لكن يبدو أن كثرة تفكيرى فى الأم قد انتقل إلى الرجل الذى يرتدينى وأحوطه بدفء شمس مصر فلقد وجدت نفسى فى جو أحبه تحت شمس هى الشمس التى تربيت تحت أشعتها صغيراً وسماء أعرفها وأعشقها فوق أرض ضمتنى كثيراً يداعبنى نسيم هو صديق قديم.

     مشى الرجل الذى كنت أستقله بجوار النيل يقيدنى بأزرار تخنقنى وتحبسنى ولا سبيل للهرب أبداً، كيف سأحتضن هذه الأرض كيف سأسبح فى هذه الأشعة الشمسية الجميلة كيف سأحلق مع هذا النسيم فلم أجد إلا الشمس أناديها وأستصرخها النجدة:

– أيتها الشمس انه يحبسنى عن الأرض التى تعشقينها انه يقيدنى كى لا أحتضن أشعتك الذهبية التى تعلمين مقدار عشقى لها، قدمى لى طوق النجاة.

     ازدادت شمس النهار احمراراً وحرارة وازدادت توهجاً حتى كاد الرجل أن يشتعل بداخلى وأنا سعيد بالشمس التى تعمل لخلاصى، خلعنى الرجل وربطنى حول رأسه التى شوتها الشمس.

وجدت نفسى فى سجن آخر وإن كان أخف من سابقه فقد وجدتنى مربوطاً من أكمام حول رأسه فناديت نسيم مصر:

– أيها النسيم طال شوقى إليك فحررنى من هذا الرجل حتى أضمك ألا تشتاق إلىّ؟!

     وجدت نفسى أطير مع ريح قوية مبتعداً عن رأس الرجل الذى طالما سمعت منه كلمات لا تطرب لها أذن. وجدت نفسى سعيداً أطير مع الريح والرجل يجرى خلفى يريد أن يمسك بى وكاد يفعل لولا أنى صحت فيها:

– أيتها الريح أسرعى بى سنفقد بعضنا البعض للأبد

     فانطلقت الريح وسمعتها تلهث ولم أعد أسمع للرجل صوتاً فالتفتُ بما بقى منى فلم أجده فأنا الآن حر لكن كم كان ثمن هذه الحرية غالياً، لقد كلفنى حياتى فإصاباتى كثيرة تملأ الصدر والأكمام وكل جزء فىَّ، تمزقت، وتقطعت أوصالى، لكنى نجوت منه، من هذا الغريب فاحتضنتنى أرض مصر وكنت الآن قد وصلت إلى حافة الموت لكنى كنت سعيداً فأنا فى وطنى وعندما جاءنى الموت كنت فى أحضان ترابها بجانب نيلها الذى طالما روانى صغيراً.