خامس الخلفاء الراشدين: عمر بن عبد العزيز

هو خامس الخلفاء الراشدين, وعلى الرغم من أنه لم يتول الخلافة بعد سيدنا علىّ رضى الله عنه, إلا أنه يعتبر خامس الخلفاء الراشدين, حيث لم تشهد الدولة الإسلامية بعد “علىّ” رضى الله عنه إلا نهاية للخلافة الراشدة, وانتقال الدولة الإسلامية إلى دولة تتنازعها الأهواء, وتبعد بها عن الطريق الحق.

وجاءت تولية عمر بن عبد العزيز, وإعزاز الإسلام به, وتقدم الدولة الإسلامية فى عهده, والمآثر التى حدثت على يديه, فجعلت منه بحق خامس الخلفاء الراشدين.

مولده ونشأته:

ولد عمر بن عبد العزيز عام 98 هجريا, ويمتد نسبه إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه, فهو ابن أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب, وكان كل شىء فى حياته يدل على أنه معجزة من المعجزات التى هيأها الله لنصرة الإسلام, فقد ولد فى البيت الحاكم, ونشأ نشأة الأمراء المترفين, واشتهر بالظرف والترف والأناقة فى الملبس والمظهر, وكان فتى بنى أمية الذى يحرص على تقليده الظرفاء والمتنعمون, وكان أعظم أموى ترفها وتملكا, وكان يمتاز عن بنى قومه بسلامة الفطرة والاعتراف بالحق والتواضع والعفاف, وقد كان أمير المدينة فى عهد ابن عمه الوليد.

استخلافه:

كان استخلاف عمر بن عبد العزيز مثيرا, فلو جرت الأمور مجراها الطبيعى لم يكن له نصيب فى غير الإمارة وولاية بعض المدن, ولقد كان لسليمان بن عبد الملك ولد يدعى أيوب, وقد عقدت له خلافة ولاية العهد من بعده, ولكن توفى أيوب قبل سليمان, ولم يبقى لسليمان إلا ولد صغير, فلما جاءته المنية أراد أن يستخلف, فحضره عمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة, فقال سليمان لرجاء: إعرض على ولدى فى القمص والأردية, فعرضهم عليه فإذا هم صغار لا يحتملون ما لبسوا, ثم قال: يا رجاء إعرض على ابنى السيوف, فقلدهم السيوف, ثم عرضهم عليه فإذا هم صغار لا يحملونها ويجرونها جرا, فلما لم يرى فى ولده ما يريد حدث نفسه بولاية عمر بن عبد العزيز, لما كان يعرف من حاله, فشاور رجاء فيما عقد العزم عليه, فوافقه, ثم قال سليمان: لأعقدن عقدا لا يكون للشيطان فيه نصيب, وهكذا جاءت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز وهو غافل عنها زاهدا فيها.

حياته بعد الخلافة:

على الرغم من قصر فترة خلافة عمر بن عبد العزيز, وهى سنتين وخمسة شهور, إلا أنها كانت فترة عامرة بالخير للإسلام والمسلمين.
كان أول ما بدأ به عمر فى خلافته هو عزله لبعض الولاة الجائرين, ورفضه لمظاهر الأبهة والافتخار التى جرى عليها الخلفاء الأمويون, ورد كل ما عرض عليه فى ذلك الوقت من مراكب وسرادقات جديدة إلى بيت المال, وتغيرت سيرته منذ تلك اللحظة, وكان لا يجد إلا جده “عمر بن الخطاب” أسوة له فى حكمه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقام بتغيير العادات التى ابتدعت بعد الخلافة الراشدة, فنهى عن القيام له, وابتدأ بالسلام, وأباح دخول المسلمين عليه بدون إذن, وخرج من ماله وعقاره ورده إلى مال المسلمين, ووضع حلىّ زوجته فى بيت المال.
ولقد بلغ من الزهد والتقشف فى الحياة مبلغا يعجز عنه الزهاد, فضلا عن الملوك والأمراء, ويكفى أن نعلم أنه كان يتأخر فى بعض الأحيان عن الخروج لصلاة الجمعة انتظارا لقميصه أن يجف, وكان كل ذلك طبيعة دينية فيه, ونتيجة الإيمان القوى, والشعور بالمسئولية ومعرفة قيمة الحياة واستحضار الآخرة.
ولم يكن تورعه مقتصرا على ذاته كما يفعل كثير من الزهاد, بل كانت سياسة عامة يريد أن يطبقها تطبيقا دقيقا على الدولة ورجالها, فكان يطلب منهم ويعزم عليهم أن يكونوا متورعين فى أموال المسلمين, لا ينفقوا منها إلا بالقدر اللازم, وأن يكونوا أشحة على أنفسهم, أسخياء على المسلمين.

إصلاحاته الواسعة فى نظام الحكم:

إن عظمة عمر بن عبد العزيز كانت فى نظرته إلى الحكومة فى عهده, فلقد كانت الحكومات قبل توليه الخلافة مقصورة على جباية الأموال وإنفاقها فى مصالح الدولة, لا صلة لها بأخلاق الجمهور وعقائده, ولا شأن لها بالضلالة والهداية.
وجاء عمر بن عبد العزيز, فثار على هذه النظرة, وجعل للحكومة الإسلامية نظرة أخرى, تهتم بالإسلام ككل, عقيدة وعبادة, وحكما وإدارة, ولنا أن نعلم أن أحد العاملين على جمع الجزية من أهل الذمة قد شكا إليه أن أهل الذمة بدأوا يقبلون على الدخول فى الإسلام بأعداد كبيرة, وأصبحت هذه القضية تشغل عقول “الإداريين” لأن الجزية التى يفرضها الإسلام على أهل الذمة من أعظم موارد بيت المال, فإذا أسلم هؤلاء سقطت عنهم الجزية, وخسرت مالية الدولة الإسلامية خسارة كبيرة, وعندما استمع عمر بن عبد العزيز إلى هذه الشكوى أجاب عنها فى هدوء وثقة, وقال: (إن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم داعيا إلى الإسلام ولم يبعثه جابيا).
وعلى هذا الأساس قامت دولته, وهو أساس “الهداية” التى بعث بها النبى الكريم صلى الله عليه وسلم, وقد طبق هذا المبدأ على حكومته الواسعة تطبيقا دقيقا, فإذا تعارضت المصلحة المالية مع مصلحة من مصالح الشريعة رجح المصلحة الشرعية والحكم الشرعى على المصلحة المالية دون تردد.

عنايته بالدعوة إلى الإسلام:

لم يقتصر عمر بن عبد العزيز على إصلاح أحوال المسلمين وتطبيق الشريعة الإسلامية فحسب, بل اعتنى بالدعوة إلى الإسلام فى غير المسلمين, وكان لها تأثير كبير لإخلاصه وصدقه وحسن تمثيله للإسلام بحياته وأخلاقه, وفى ذلك كتب إلى ملوك الهند يدعوهم إلى الإسلام والطاعة, ولهم ما للمسلمين, وعليهم ما على المسلمين, وقد كانت بلغتهم سيرته ومذهبه, فأسلموا لما كانوا قد سمعوه عنه.

تدوين العلوم الإسلامية:

لم يقتصر تجديد عمر بن عبد العزيز على إصلاح نظام الحكم, بل تعداه إلى نواح أخرى كان لها أبعد الأثر وأعمقه فى حياة المسلمين, فقد أقبل على تدوين العلوم الإسلامية, والتى تعد إحدى منابع الحياة للمسلمين, وأول ما اعتنى به بعدما تقلد الخلافة هو (علم الحديث), وقد أراد الله أن يكون له فضيلة السبق فى هذا الميدان, كما كان لجده العظيم “عمر بن الخطاب” رضى الله عنه, فضيلة السبق لجمع القرآن الكريم, فإنه هو أول من أشار وألح على خليفة الرسول الكريم (أبو بكر الصديق) بجمعه.
ولم يكتف عمر بن عبد العزيز بالحث على ذلك, بل سعى فى تيسير هذه المهمة, بأن جمع العلماء ورتب لهم لإنجاز هذه المهمة, ووفر لهم رواتب ليقبلوا على نشر العلم, ويكفوا مؤونة الاكتساب.

تأثير إصلاحاته فى الدولة والمجتمع:

لقد كانت هذه الإصلاحات التى قام بها عمر بن عبد العزيز فى عهده ما كان يُخشى أن تسبب الأزمات المالية والخسائر الفادحة, ولقد كان مستعدا لأن يواجه هذه الأزمات فى شجاعة, ولكن لإخلاصه فى دعوته, ونيته التى وجهها إلى الله سبحانه وتعالى لم تقع هذه الأزمات, وفاجأ الناس أن الرفاهية قد عمت, وأن مالية الدولة قد قويت, واطمأن الناس فى كل بقعة من البقاع الإسلامية, حتى عز وجود من يستحق الزكاة, وكان بيت مال المسلمين عامرا مليئا, رغم قصر فترة خلافته على المسلمين.

وفاته:

كان عمر بن عبد العزيز فلتة من فلتات الدهر, التى لم تدم, فقد أُستخلف على المسلمين لمدة عامين وخمسة أشهر فقط, حتى وافته المنية عام 101 هجرية, وهو ما زال ابن تسع وثلاثين ربيعا وبضعة أشهر.
وعلى الرغم من قصر فترة خلافته, فقد تم فيها كل ما تحدثنا عنه من مآثر جليلة, وأعمال خالدة وإصلاحات واسعة.
لقد كان عمر بن عبد العزيز آية من آيات الله, رحمه الله رحمة واسعة, وجعلنا من تلامذته, وقيض لنا من بيننا من يكون قادرا على العودة بنا إلى رحابة الإسلام مرة أخرى.