هل هناك من يزال لا يعرف “سارة”؟!

إذن لا بأس أن أحدثه عنها.   “سارة” هى الرواية الوحيدة التى كتبها العملاق “عباس محمود العقاد”, ولأنها كذلك فقد أودع فيها خلاصة تجارب عمره, وربما كتب عن ذاته فى شخصية البطل بقليل من المواربة. لم تشدنى قراءة رواية مثلما شدتنى قراءة “سارة”, ولم أعيد قراءة رواية مثلما أعدت قراءة “سارة”, وكانت المرة الأولى عندما عثرت عليها بطريق المصادفة فى إحدى مكتبات “سور الأزبكية” العتيق منذ أكثر من عشرين عاما, وكانت المرة الأولى التى أعرف أن للعملاق “عباس العقاد” رواية بهذا الاسم, ولم تمر الليلة الأولى عندما اشتريت هذه الرواية إلا وقد نهمت أكثر من نصفها, واستكملتها فى الليلة التالية, ومنذ هذا الوقت حدث نوع غريب من الارتباط بينى وبين هذه الرواية, فلا أدرى كيف أنه عندما تشتاق نفسى إلى قراءة الأدب أجد نفسى أمسك بهذه الرواية لأقرءاها مرة أخرى, بل إنها أصبحت طقسا ثابتا من طقوس المصيف كل عام, لابد أن أصطحبها معى لأقرأها وأنا أتنسم نسمات الصيف فى أحد المصايف.  

ومن العجيب أننى فى كل مرة أقرأها أشعر أننى أقرأها للمرة الأولى, وأجد نفسى ألهث وراء كلمات المؤلف لعلى أفهم ما غمض علىّ فهمه عند قراءتها فى المرات السابقة, فالمؤلف أديب عملاق ولابد أن تقرأ له وأنت تعلم أن لكل كلمة مدلول لابد أن يُفهم فى سياقه, وأن هناك بين التعبيرات والكلمات مدلولات لابد من فهمها وإلا اختل سياق فهمك لأحداث الرواية, ولذلك وجدت نفسى فى كل مرة أعيد قراءة الرواية أكثر فهما وتعايشا لشخصياتها, وأكثر إدراكا لبواعث تصرفاتهم. هى رواية تستحق بالفعل أن تقرأها مرات ومرات, وفى كل مرة ستجد فيها متعة أكثر من سابقتها. لكن.. من هى “سارة”؟

كثيرا ما كُتب عن العملاق “عباس العقاد” بأنه عدو للمرأة, لكن فى تقديرى بعد قراءة هذه الرواية أنه ليس كذلك, فأرائه عن المرأة فى هذه الرواية تعج بالفهم الحقيقى لها ولمشاعرها ولأنوثتها, والرواية فى ذاتها تناقش مبدأ “الشك” حينما يتسلل إلى العلاقة بين الرجل والمرأة, وهل من الممكن أن تستمر هذه العلاقة فى وجود هذا “الشك”؟ كما تناقش حدود الصراحة بين حبيبان تعاهدا على الحب, وهل على المرأة حينما تحب أن تبوح بكل أسرارها للرجل الذى أحبته أم أن عليها أن تحتفظ ببعض هذه الأسرار, وخاصة تلك المرتبطة بعلاقاتها العاطفية قبله, وكيف هو شعور الرجل الذى أحب امرأة لدرجة العشق, لكن صراحتها معه فى إبلاغه بكل علاقاتها العاطفية قبله وقفت حائلا بينهما, وأصبح “الشك” فى إخلاصها له هو نديم حبه وعشقه لها..

وماذا إذا أثمر هذا الشك عن الفراق بين الحبيبان, وهل من حق الحبيب مطالبة حبيبه بالبقاء على ذكرى حبهما؟ أم أن على كل طرف البحث عن الحب مع طرف جديد؟

“سارة”

هى قصة حب, بل هى قصة عشق نادرة, و”سارة” ذاتها امرأة متميزة تجمع بين النقيضين الذى قلما يجتمعان فى امرأة “العقل والجمال”, ولعل هذا هو سبب حيرة بطل الرواية (همام), فجمالها إلى جانب رجاحة عقلها سببا من أسباب الشجار والخلاف الذى ينشأ طوال صفحات الرواية بينهما, فهى شخصية تتمتع بروح مرحة وعقل متقد وذكاء وألمحية كانت تبهج نفس البطل, لكن كل هذه الصفات كما كانت مصدر بهجة, كانت مصدر شقاء عندما تسلل الشك إلى وجدانه ذات يوم.

“سارة” هى علاقة بين رجل يعيش وحده تعرف إلى امرأة, ونشأت بينهما علاقة عاطفية, أصبح من المستحيل بعدها الفراق, فكانا يلتقيان كل يوم فى موعد محدد “الخامسة مساء” فى بيته, لقاء وصفه المؤلف عندما يفتح البطل لحبيبته باب شقته بـ:

(حينما ينفتح الباب ينقسم العالم إلى قسمين لا ثالث لهما فى الذهن ولا فى الخيال.. قسم فيه كل شىء, وقسم ليس فيه من شىء.. أو قسم موجود, وقسم ليس له وجود, والبيت هو القسم العامر الزاخر الحافل الوهاج, والدنيا هى القسم المهجور الذى لا تتسع قاراته وبحاره ومن فيها وما فيها من السكان لأوسع من مكانها فى خرائط الأطفال). وحين يصف المؤلف “سارة” يقول عنها:

(هى حزمة من أعصاب تسمى امرأة, وهيهات أن تسمى شيئا غير امرأة, استغرقتها الأنوثة, فليس فيها إلا أنوثة, ولعلها أنثى ونصف أنثى, لأنها أكثر من امرأة واحدة فى فضائل الرومنسي, وعيوبه, لا لأنها أضعف من امرأة واحدة).   ويضيف:

(لها فراسة نفاذة فى كل ما بين من علاقة, لو حصلتها بالتعليم والتلقين لاستغرقت أعمار إلى جانب عمرها فى القراءة, ولكنها تفطن لما فى نفس المرأة لأنها امرأة, وتفطن لما فى نفس الرجل لأنها امرأة). وفى موضع آخر يقول:

(هى وثنية فى مقاييس الأخلاق, كما هى وثنية فى التدين, لا تؤمن بالعصمة الإنسانية فى أحد ولا فى صفة, وشديدة الإيمان بضعف الإنسان مع أضعف المغريات). ويقول فى وصف آخر:

(أكبر الظن أن الفتاة على ما بها من جموح وشطط كانت وشيكة أن تستقيم وتتزن لو رزقت زوجا يوائم شوقها إلى الرجولة ويغلق عليها منافذ الغواية, ولكنها خابت فى الزواج فشقيت, ولجت بها الشقاوة حين كفرت بصداقة الصديقات ومواساة الشفيقات, فعاشت فى عالم قد أقفر من جنس حواء إلا أن تكون منافسة مريبة أو عاذلة رقيبة, ولم يبق فيه إلا رجال).

وعن صفاتها يقول: (تراها مرة فأنت مع طفلة لاهية تفتح عينيها البريئتين فى دهشة الطفولة وسذاجة الفطرة بغير كلفة ولا رياء, وتراها بعد حين – وقد تراها فى يومها – فأنت مع عجوز ماكرة أفنت حياتها فى مراس كيد النساء ودهاء الرجال. وتضحك ضحكة فتعرض لك وجها لا يصلح لغير الشهوات, وضحكة أخرى

– وقد تكون على أثر الأولى

– فذاك عقل يضحك ولب يسخر, كما تسخر عقول الفلاسفة وألباب الشيوخ المحنكين!! هى تارة أم رؤوم تفيض بحنان الأمهات حتى لتوشك أن تسع به أطفال العالمين, وحسبك أن ترسمها هكذا ولا تضع فى أحضانها طفلا يرضع ولا إلى جانبها طفلا يدرج, لتستحق الصورة عنوان الأمومة.

وهى تارة أخرى شريدة بوهيمية لم تستقر قط فى دار ولا وطن, ولا استقرت قط مع عشيق. لها صورة إلى جانب سرير لو نحيت عنها السرير جانبا لمثلت لك راهبة خاشعة تهم بالصلاة, أو ضحية من ضحايا الآلهة تساق إلى محراب القربان. ولها صورة على سفح الهرم, لو أخفيت منها الهرم لخلتها حورية مخمورة فى أرض يونان القديمة تهم بالرقص فى كروم باخوس).  

هذه العلاقة التى نشأت بين “سارة” وبطل روايتنا, كان لهما فيها من اللقاءات الحميمة الكثير, لكنها لم تكن دائمة, فالخلاف والشجار بينهما كان هو أيضا دائما, وكثيرا ما اختلفا, وتباعدا, ثم رجعا إلى عهدهما مرة أخرى, وهو حين يصف لقاءهما بعد كل مصالحة يقول على لسان البطل: (عندما تحضر فى الموعد تبدو بتلك الطلعة التى يعهدها منها بعد كل مغاضبة وقبل كل مصالحة:

طلعة السفير الذى يدخل المملكة الغريبة ولا يدرى أحرب أم سلام, فهو لا يبرز القوة, ولكنه يتقى أن يبرز الضعف, ولا يحمل غصن الزيتون, ولكنه مستعد به فى الحقيبة المغلقة, ولا يتجهم, ولكنه لا يتطلق ويتبسط.. وهى لا تأتى إلى الموعد بزينتها التى تعلم أنها تروقه وتستجلب هواه, ولكنها لم تهمل زينتها إهمال المعرض قليل الاكتراث).   وكانت العلاقة تسير بهذه الصورة.. هجر وشقاق, ثم مصالحة ووفاق, وكانت علاقة حب عجيبة, وبطل الرواية يحكى على لسانه أنه كان قانعا بالمودة الهنيئة الوادعة بينه وبين “سارة”:

(إن حضرت سره حضورها, وإن غابت لم يغضبه غيابها, لها وقتها كله, وله وقته كله, إلا ما يشتركان فيه من الوقت فهو لهما على السواء, غير أن سارة لم يكن يعجبها ذلك).  

وذات يوم تسلل الشك إلى داخله, إثر حوار مع ابنها الوحيد, تحدث فيه الابن بلغة العاشقين كأنه سمع هذه الكلمات من شخص مقرب له, فسألها من أين أتى ابنها بهذا الكلام, فنفت علمها, وكان فراق بينهما, ومنذ تلك الحادثة لم يفارق بطل الرواية الشك, خاصة أنها كانت ذات يوم قد صارحته بأنها أقامت علاقتين عاطفيتين قبل أن تعرفه, أحدهما مع كهل يقارب الأربعين, والثانية مع فتى فى الخامسة والعشرين.

وحينما تمكن الشك من بطل روايتنا, هداه تفكيره ذات يوم إلى مراقبتها لعله يعرف حقيقة غير تلك التى تقولها هى, وليتأكد من إخلاصها أو خيانتها, وأوكل الأمر إلى ابن عمه ليقوم بهذه المهمة, لكنه لم يتوصل إلى معرفة شىء من هذه الرقابة, حتى كان الفراق الأخير بينهما.   وعلى الرغم من أن العلاقة بينهما كانت قد انتهت إلا أن ابن عمه أصر على مراقبتها من باب الفضول لمعرفة الحقيقة, وبعد فترة طويلة اكتشف أنها على علاقة بأحد الأشخاص, فأبلغ بطل روايتنا بهذا الاكتشاف, وحينها يقع فى حيرة من أمره:

هل كانت على علاقة بهذا الشخص وقت أن كانت تحبه, أم أن هذا الشخص دخل إلى حياتها بعد أن يئست منه ومن فراقه, ومن حبه؟

! وتنتهى الرواية, وما زال “الشك” داخل بطلنا, كما “الحب” أيضا داخل قلبه وكيانه لـ “سارة”. كلمات:  

لا يفوتنى وأنا أتحدث عن هذه الرواية الرائعة إلا أن أذكر كلمات صاغها المؤلف على لسان بطله أرى أنها لابد أن تذكر, ففيها من الجمال والتعبيرات الكثير:

* إن الرجل حين يحب امرأة فإنما يريدها هى, ولا يريد ما هو أجمل منها, وإنما يحبها ويحس بها لأنها هى هى, لا لأنها امرأة لا فارق بينها وبين سائر النساء.

* الفتاة التى تفهم أن لها قيمة غير قيمة الدلال المصطنع, وأن العاطفة أنفس من أن تشاب بالتنكيد والتكدير لغير داع, لهى صاحبة ذكاء مطبوع يفقه قيمة الزمن وقيمة الشعور وقيمة السرور, ولا يقتصر ذكاءها على النظر إلى عقربى الساعة لإدراك الميعاد.

* ما من رجل كبر أو صغر إلا والمرأة واجدة بديلا منه يغنيها عنه فى جميع نواحيه أو بعض نواحيه, إن كان محبوبا ففى الرجال من هو أحب, وإن كان مهيبا ففى الرجال من هو أهيب, وإن كان جميلا أو سريا أو قويا ففى الرجال من هو أجمل وأسرى وأقوى, ولقد تستبدل الذى هو أدنى بالذى هو خير, فليس من الضرورى أن تفاضل المرأة بين الحسن والأحسن والصالح والأصلح, وليس من الضرورى – إن هى فاضلت – أن تكون مختارة مفتوحة العينين فيما تدع وفيما تأخذ, فقد تكون مخدوعة مسوقة ثم تستنيم إلى الخديعة, وقد تؤثر الرجل على الرجل شهوة طريق, كما يذهب الإنسان إلى غذائه فيلقاه مطعم يفغم أنفه ببعض روائحه فيميل إليه, وقد يعافه فى غير تلك الساعة.

* الرجل يعشق الأنثى فى مبدأ الأمر لأنها امرأة بعينها, امرأة بصفاتها الشخصية وخلالها التى تتميز بها عن سائر النساء, ولكنه إذا أوغل فى عشقها وانغمس فيه أحبها لأنها “المرأة” كلها, أو المرأة التى تتمثل فيها الأنوثة بحذافيرها, وتجتمع فيها صفات حواء وجميع بناتها, فهى تثير فيه كل ما تثيره الأنوثة من شعور الحياة.

* إذا ميز الرجل المرأة بين جميع النساء, فذلك هو الحب, وإذا أصبح النساء جميعا لا يغنين الرجل ما تغنيه امرأة واحدة فذلك هو الحب, وإذا ميز الرجل المرأة لا لأنه أجمل النساء, ولا لأنها أذكى النساء, ولا لأنها أوفى النساء, ولا لأنها أولى النساء بالحب, ولكن لأنها هى هى بمحاسنها وعيوبها, فذلك هو الحب.

* قد يحب الرجل امرأتين فى وقت واحد, لكن لابد من اختلاف الحبين فى النوع, أو فى الدرجة, أو فى الرجاء, فيكون أحد الحبين خالصا للروح والوجدان, ويكون الحب الآخر مستغرقا شاملا للروحين والجسدين, أو يكون أحد الحبين مقبلا صاعدا, والحب الآخر آخذا فى الإدبار والهبوط, أو يكون أحد الحبين مغريا بالرجاء, والحب الآخر مشوبا باليأس والريبة.