السلطان محمد الفاتح .. الموت مجاهدًا! 670196_womenw.jpg


انتهى فصل الشتاء، وأقبل ربيع عام 1481م، وكعادة السلطان محمد الفاتح فإنَّه لا يركن للهدوء أبدًا، فكانت الإعدادات العسكريَّة على أشدِّها، وكان من الواضح أنَّه يُعِدُّ البلاد لحملةٍ كبيرة سيكون لها آثارٌ ضخمةٌ في مستقبل الدولة العثمانية.




لقد أُقيم معسكرٌ ضخمٌ في أسكودار في الناحية الآسيويَّة من المضايق، وعلى الجهة المقابلة لإسطنبول، وبدأ السلطان في تجميع الجنود في هذا المخيَّم الكبير[1].




إلى أين سيتوجَّه جيش محمد الفاتح الكبير؟!



الوجهات المحتملة لجيش محمد الفاتح كثيرة!
من المحتمل أن يتوجَّه هذا الجيش الكبير إلى إيطاليا لدعم الحامية العثمانيَّة الموجودة في أوترانتو، ولاستكمال فتح مقاطعة أبوليا، ولتنفيذ التهديد الذي أطلقه خير الدين مصطفى بك، قائد الحامية العثمانيَّة في أوترانتو، بأنَّ السلطان سيأتي في العام المقبل مع جنودٍ تزيد على المائة ألف. يدعم هذا الاحتمال إعلان البابا في إبريل 1481م عن قيام حملة صليبية كبرى ضدَّ الأتراك[2]، فعندها سيكون توجيه الجيش العثماني إلى إيطاليا منطقيًّا لمنع هذه الحملة من التوجُّه إلى الدولة العثمانيَّة، ويكون القتال على أرض الإيطاليِّين أفضل.




ومن المحتمل أن يتوجَّه هذا الجيش إلى رودس، فالهزيمة التي حدثت هناك في صيف 1480م لا يُمكن أن تُنسى، وخطورة فرسان القديس يوحنا مستمرَّة، وترك مسألة رودس فترةً طويلةً من الزمن سيُؤدِّي إلى تعقيد الأمر بصورةٍ أكبر لأنَّ فرسان القديس يوحنا مستمرُّون في زيادة التحصينات، وتلقِّي الدعم الأوروبي. يدعم هذا الاحتمال أنَّ المعسكر العثماني مقام في آسيا الصغرى، وهذا قد يعني أن يتحرَّك الجيش برِّيًّا إلى الجنوب، ثم ينتقل بالسفن من ساحل الأناضول إلى ساحل رودس كما فعل في الحملة السابقة. لهذا الوضع الجغرافي للجيش يرى بعض المؤرِّخين أنَّ وجهة الجيش كانت إلى رودس[3][4].




ومن المحتمل أن يكون هذا الجيش متوجِّهًا إلى البغدان! قد يكون هذا احتمالًا بعيدًا نسبيًّا لكون المعسكر مقامًا في الأناضول وليس في أوروبا، ولكن أحيانًا يكون التمويه العسكري يتطلَّب مثل هذه التحرُّكات الغامضة. الذي يدعونا إلى افتراض هذا الاحتمال هو توغُّل فرقةٍ عثمانيَّةٍ مع فرقةٍ من الإفلاقيِّين بالفعل في أرض البغدان في إبريل 1481م[5]، ولا ننسى أنَّ استيفين الثالث أمير البغدان كان قد استغلَّ انشغال العثمانيِّين بحرب فرسان القديس يوحنا ووضع ميرشا Mircea على عرش الإفلاق، ثم أعاد العثمانيُّون باساراب الأصغر مكان ميرشا، فكان لا بُدَّ من إظهار قوَّةٍ للبغدانيِّين، وإلَّا تفاقم الأمر هناك، خاصَّةً مع وجود القوى العسكريَّة الرئيسة للدولة العثمانيَّة في رودس أو إيطاليا.




ومن المحتمل أن يكون هذا الجيش متوجِّهًا إلى المجر؛ لأنَّه من الثابت أنَّ المجر أرسلت قوَّات عسكريَّة إلى إيطاليا للمساعدة على استعادة أوترانتو[6][7]، بالإضافة إلى عِلْمِ الفاتح بأنَّ البابا سيدعم المجر بدعمٍ سنويٍّ ثابتٍ للاستمرار في حرب العثمانيِّين، فيُمكن أن يكون جيش الفاتح متوجِّهًا إلى حرب المجر لمنعها من دعم الإيطاليِّين في أوترانتو بشكلٍ خاص، وفي الدفاع عن نابولي وإيطاليا بشكلٍ عامٍّ، آخذين في الاعتبار كذلك أنَّ ملك المجر ماتياس كان متزوِّجًا الأميرة بياتريس Beatrice، وهي ابنة ملك نابولي فرديناند الأول، وذلك منذ عام 1476م[8]، ممَّا يُعطي بُعْدًا آخر في حرص ملك المجر على مساعدة نابولي.




أمَّا آخر الاحتمالات الممكنة فهو أن يكون الجيش متوجِّهًا لحرب المماليك في الشام، وهذه هي الوجهة التي يُرجِّحها المؤرِّخ المعاصر للفاتح، وهو طورسون بك، وكذلك المؤرِّخ التركي كمال باشا زاده، وإن كانوا لا يجزمون بذلك؛ إنَّما فقط «يتوقَّعون» هذه الوجهة[9]، ويدعم هذا التوجُّه أنَّ الفاتح ساعد علاء الدولة، وهو أخو شاه بوداق أمير ذي القادر التابعة للمماليك، وقد ساعده الفاتح على حربه لأخيه شاه بوداق قبل تجهيز هذا الجيش الأخير بعدَّة أشهرٍ فقط[10]، وهذا هو الذي دفع بعض المؤرِّخين إلى افتراض أنَّ الفاتح يُريد إكمال عمليَّة التفوُّق على المماليك، وذلك بتحويل إمارة ذي القادر إلى إمارةٍ عثمانيَّة، وزيادة الأراضي العثمانيَّة عن طريق غزو الشام، بل يفترض بعضهم أنَّ الوجهة النهائيَّة للفاتح قد تكون مصر ذاتها وليس مجرَّد الشام[11].





هذه هي الاحتمالات التي يطرحها المؤرِّخون لوجهة جيش محمد الفاتح..


وأنا أميل إلى افتراض أنَّ وجهة هذا الجيش كانت إلى رودس أو إيطاليا، وهي على الأغلب إلى رودس أقرب؛ لأنَّ غزو إيطاليا دون الانتهاء من مشكلة رودس يُمثِّل خطورةً عسكريَّةً كبيرة، لأنَّ فرسان القديس يوحنا يكونون بذلك في ظهر الجيش العثماني، كما أنَّ رودس قريبةٌ للغاية من الأناضول، ومن المحتمل أن تشنَّ غارات على المدن العثمانيَّة يكون لها أسوأ الأثر في الدولة، ناهيك عن التأثُّر الكبير لكرامة الدولة العثمانيَّة، وحرص الفاتح على عدم اهتزاز صورتها أمام العالم. هذا كله بالإضافة إلى مكان المعسكر العثماني في أسكودار، الذي قد يُعطي تفسيرًا منطقيًّا للتوجُّه إلى رودس، مع علمنا أنَّه من الممكن أن يكون موجودًا في هذا المكان من قبيل التمويه والخداع.




هذه هي الافتراضات والتوقُّعات.. فأين الحقيقة؟ وإلى أيِّ مكانٍ توجَّه هذا الجيش؟




الحقيقة أنَّ وجهة هذا الجيش على وجه اليقين لا يعلمها أحدٌ إلَّا الله عزَّ وجل! لأنَّه لم يُكْتَب لهذا الجيش أن يتحرَّك إلَّا لعدَّة كيلو مترات قليلة فقط!
لقد غادر السلطان الفاتح قصر توب كابي في إسطنبول في 25 إبريل 1481م[12]، وعبر المضايق إلى الناحية الشرقيَّة منها، ووصل إلى أسكودار، ثم أمر بتحرُّك الجيش، وكان ذلك على الأغلب في أوَّل مايو[13]، وفي يوم 3 مايو، في عصر ذلك اليوم[14]، سقط فجأة الفارس العظيم، والقائد المهيب، السلطان محمد الفاتح، وصعدت روحه إلى بارئها!




هكذا مات السلطان محمد الفاتح الذي غيَّر اللهُ به تاريخَ أوروبا والمسلمين..
هكذا مات السلطان المهيب محمد الفاتح وهو في التاسعة والأربعين من عمره!




مات في أرض الجهاد، وهو منطلقٌ إلى حملةٍ كبيرةٍ لإعلاء كلمة الله في مكانٍ ما..
كان هذا عند نقطةٍ قريبةٍ من مالتبة Maltepe، في مكانٍ يُعرف بمرج السلطان Sultan's meadow على بعد حوالي عشرة كيلو مترات جنوب أسكودار[15].





ما سرُّ هذه الوفاة المفاجئة للسلطان محمد الفاتح؟!

ينقسم المؤرِّخون في هذا الصدد إلى فريقين؛ فيرى الفريق الأوَّل أنَّ الفاتح مات ميتةً طبيعيَّة؛ حيث كان كثير المرض، وخاصَّة بالنقرس، بينما يرى الفريق الثاني أنَّ الفاتح مات مسمومًا، وإنْ كان هذا الفريق الثاني ينقسم على نفسه في تحديد هُويَّة القاتل!




والواقع أنَّني أميل بقوَّةٍ مع الرأي الأوَّل القائل إنَّ الفاتح مات ميتةً طبيعيَّةً بعيدةً عن شبهة القتل؛ فالمعروف أنَّ الفاتح في سنواته الأخيرة كان شديد المرض[16][17]، وكانت هذه السنة الأخيرة في عمره من أشدِّ سنوات مرضه، وكانت بدايات تفاقم مرضه في شهر سبتمبر 1480م عندما عاد كديك أحمد باشا من أوترانتو فوجد السلطان في حالة إعياءٍ شديدة[18]، وكان السلطان يُعاني كما هو معروفٌ من النقرس، وهو مرضٌ مزمنٌ تكون له بعض حالات النشاط الزائد الذي يُوقِع المريض فجأةً في حالاتٍ حادَّةٍ من الألم، وله كما هو معروفٌ طبِّيًّا آثارٌ على كافَّة أعضاء الجسم. نقول هذا الكلام لأنَّنا نعلم أنَّ الفاتح يوم خرج من قصره يوم 25 إبريل 1481م كان في صحَّةٍ جيِّدةٍ نسبيًّا تسمح له بقيادة جيشه، وإلَّا لكلَّف أحد وزرائه بالمهمَّة، ولكن بعد خروجه بأيَّام فاجأته حالة حادَّة من حالات المرض فبدأ المعاناة الأخيرة.




يُؤيِّد هذه الميتة الطبيعيَّة أنَّ المصادر الأولى التي أرَّخت لحياة الفاتح لم تذكر شيئًا عن أيِّ محاولات اغتيالٍ للسلطان[19].




ومع ذلك فقد تبنَّى مؤرِّخون آخرون فكرة تسميم السلطان الفاتح قبيل موته[20]، ولكن اختلفوا في تحديد هويَّة القاتل؛ فنسبها بعضهم إلى طبيبٍ فارسيٍّ اسمه حميد الدين اللاري Hamiduddin al-lari[21]، بينما جعل آخرون أنَّ طبيبه المسلم يعقوب -الذي هو من أصلٍ يهودي، واسمه قبل إسلامه ميسترو لاكوبو Maestro Lacopo- هو المسئول عن عمليَّة الاغتيال[22]، بينما لم يتردَّد فرانز بابينجر في أن يُشير بأصابع الاتهام إلى بايزيد ابن السلطان الفاتح، مدَّعيًا أنَّ هذا قد حدث لخوف بايزيد من إعطاء ولاية العهد للابن الأصغر چم[23]!




وليس هكذا ينبغي تحليل الأمور، خاصَّةً مع الأحداث التاريخيَّة التي تتعلَّق بأسماءٍ معيَّنة، وأفرادٍ بذواتهم؛ فالعدل والإنصاف يقتضي ألَّا تُلقَى التُّهم على شخصيَّاتٍ بعينها إلَّا في وجود دليلٍ حاسم، وإلَّا فهؤلاء المتَّهمون بُرءاء بلا جدال، وهذا يشمل بايزيد ابن السلطان، كما يشمل الأطباء وغيرهم ممَّن تدور حولهم الشبهات حتى لو كانوا من أصولٍ غير مسلمة، أو لم يكونوا مسلمين من الأساس؛ فالعدل ينبغي أن يكون مطلقًا، ولا يُفرِّق بين عرقٍ وعرق، أو بين دينٍ وآخر.




يبني مَنْ يفترض تسميم السلطان استدلالاته على روايةٍ عند عاشق زاده ذكر فيها أنَّ الأطباء أعطوا السلطان «شرابًا مفرِّغًا»، وهذا هو الذي أدَّى إلى وفاته، وترجم المترجمون الكلمة التركيَّة الواصفة لهذا الدواء ترجمةً خاطئة، فعَدُّوها سُمًّا، وبذلك يكونون قد نسبوا بداية الاتهام إلى المؤرِّخ عاشق زاده، مع أنَّ الدواء معروف، ويهدف إلى تفريغ المعدة؛ أي أنَّه دواء مقيئ فقط[24].




ويدعم مَنْ يفترض فكرة التسميم رأيه بأنَّ الإنكشاريَّة قتلت الطبيب اليهودي الأصل يعقوب بعد معرفتهم بموت السلطان، ولكن هذا في حدِّ ذاته ليس دليلًا؛ لأنَّ الرواية التي ذكرت القتل لم تذكر محاكمةً له حتى يتبيَّن الحق من الباطل في أمره[25]، بالإضافة إلى أنَّ الروايات بحقِّ هذا الطبيب متضاربة؛ حيث ذكرت بعض الروايات أنَّه استمرَّ في عمله ولم يُقتل أو يُحَاكم، بل ظلَّ طبيبًا في عهد بايزيد[26]، ولا يُعْقَل أن يُتَّهم مثل هذا الاتهام ويستمرُّ في عمله آمنًا، بالإضافة إلى أنَّ هذا الطبيب كان هو المختصُّ بشئون الفاتح الصحِّيَّة منذ طفولته، وكان السلطان يُقرِّبه كثيرًا، وقد أنعم عليه بلقب باشا[27]، وليس من المنطقي أن يكون قريبًا من السلطان لمدَّةٍ تزيد على ثلاثين سنة ولا يرتاب الفاتح في أمره، كما أنَّه قد أُتيحت له فرصٌ كثيرةٌ في هذه السنوات لاغتيال الفاتح، ولكنَّه لم يفعل، والأقرب أن يكون مُؤتَمَنًا بحق، وليس في محلِّ الشبهة، ولهذا فإنَّ الإنصاف يقتضي ألَّا يُتَّهم الأطباء بالقتل؛ إنَّما أقصى ما هنالك أن يكون الدواء قد أُعطِي بطريق «الخطأ» لا العمد إن كان له علاقةٌ بالموت[28]، أو أن يكون الدواء لا علاقة له بالموت أصلًا.




وأحيانًا يستند الداعمون لفكرة التسميم على أنَّ المرض الذي كان يُعاني منه الفاتح، وهو النقرس، ليس مرضًا قاتلًا؛ إنَّما هو مرضٌ يُصيب المفاصل، ويُؤدِّي إلى إعاقةٍ في الحركة ولكن ليس الوفاة، وهذا في الواقع تحليلٌ غير دقيق، ولا علاقة له بالمعلومات الطبِّيَّة الصحيحة؛ فالنقرس مرتبطٌ إلى درجةٍ كبيرةٍ بحدوث السكتات الدماغيَّة Stroke، وبحدوث الارتفاع الشديد في ضغط الدم Hypertension، وكذلك بحدوث النوبات القلبيَّة Heart attackes، وكلها مضاعفات قاتلة، وتُحْدِث الموت المفاجئ[29]، ولا يُستبعد أبدًا أن تحدث كلَّ هذا المضاعفات مع السلطان الفاتح، خاصَّةً إذا ما أخذنا في الاعتبار الضغط العصبي الزائد Stress الذي يتعرَّض له في حياته، وخاصَّةً في مثل هذه الحملات، وهذا الضغط في حدِّ ذاته أحد عوامل الخطورة التي تزيد من فرصة المضاعفات الكبيرة، فضلًا عن أنَّ العلاج الصحيح للنقرس لم يكن معروفًا في هذا الزمن.




نخلص من هذا التحليل إلى أنَّ الأقرب إلى الصواب، والأصلح وفقًا لقواعد القرآن والسُّنَّة، وتبعًا لقواعد القانون العادل، هو أنَّ وفاة الفاتح كانت طبيعيَّة، ومفاجئة، وأنَّه لا داعي لافتراض احتمالاتٍ لا ينبني عليها عملٌ كبير، خاصَّةً أنَّ هذه الفكرة لم تكن متداولة في الأيَّام التي مات فيها الفاتح العظيم.




نعود بعد هذا التحليل إلى أرض المعسكر العثماني، وقد حدثت هذه الكارثة الكبرى والجيش في طريقه إلى وجهةٍ لا يعلمها إلَّا قليلٌ من القادة..





ماذا ستكون نتيجة هذا الزلزال الكبير؟ وما توابعه؟!

كان الصدر الأعظم محمد قرامانلي مرافقًا للحملة العسكريَّة، فقرَّر إخفاء نبأ موت السلطان حتى لا تحدث فتنةٌ في الجيش أو الدولة؛ انتظارًا لأن يتسلَّم أحد الأبناء قيادة الدولة، وتُشير بعض المصادر إلى أنَّه كان يميل إلى تولية الابن الأصغر چم للسلطنة بدلًا من بايزيد الذي يكبر چم بتسع سنوات[30][31]، وعلى هذا يكون الهدف من تكتُّم خبر الموت هو إعطاء الفرصة لچم لكي يأتي من قونية البعيدة ليتولَّى الحكم بدلًا من بايزيد الذي كان واليًا على أماسيا الأقرب.




حُمِل السلطان إلى إسطنبول بعد إخبار الجيش بتوقُّف الحملة لمرض السلطان، وأُدخل إلى قصره تحت حماية خدم الصدر الأعظم، ولكن اكتشف الإنكشارية موته، وشكُّوا في أنَّ الصدر الأعظم يُريد تولية چم للسلطنة، وحيث إنَّهم كانوا يُريدون بايزيد فإنَّهم قاموا بقتل الصدر الأعظم، ونظَّموا مسيرةً في شوارع إسطنبول يُنادون بولاية بايزيد الحكم[32].




كانت هذه بوادر فتنة كبيرة. وصل الأمير بايزيد إلى إسطنبول يوم 20 مايو بعد وفاة والده بسبعة عشر يومًا، وكان الصدر الأعظم السابق إ. باشا قد اتَّفق مع قائد الإنكشاريَّة سنان أغا على تولية بايزيد للحكم، وبالفعل تمَّت هذه الولاية في اليوم التالي مباشرة؛ أي في يوم 21 مايو من عام 1481م، ليُصبح بايزيد هو السلطان بايزيد الثاني[33].




وفي اليوم التالي للولاية، في 22 مايو 1481م، حُمِل السلطان المعظَّم محمد الفاتح إلى مقبرته التي بناها بنفسه، إلى جوار مسجده بإسطنبول، ليكون أوَّل سلطانٍ عثمانيٍّ يُدْفَن في إسطنبول، وكانوا قبل ذلك يُدْفنون في مدينة بورصا بالأناضول[34][35].




أخيرًا آن لهذا الجسد المرهق أن يستريح!
إنَّها رحلة معاناةٍ طويلةٍ تجاوزت الثلاثين سنة..
معارك كثيرة.. وأمراض شديدة.. وجهاد وسفر.. وأعداء وسهر..
ولكن لا بُدَّ لكلِّ رحلةٍ -مهما كانت شاقَّة- من نهاية..
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185].




هكذا انتهت حياة الرجل الذي أعزَّ الله به أمَّة الإسلام عقودًا متتالية، بل ثبَّت الله به أركان الأمَّة لعدَّة قرون، وليس عجيبًا أن يكون موته يوم احتفالٍ عند أعداء الأمَّة؛ فلقد كانت حياته كابوسًا مزعجًا لهم..




كتب سفير البندقية رسالةً مقتضبة إلى مجلس الشيوخ بتاريخ 4 مايو، وكرَّر الرسالة بتاريخ 6 مايو، وكان في الرسالة جملة واحدة: «مات النسر العظيم»[36].




يصف المؤرِّخ الأميركي چون فريلي ردَّ فعل البندقية عند وصول خبر موت الفاتح فيقول: «وصلت الرسالة في 29 مايو 1481م، في ذكرى مرور 28 سنة على سقوط القسطنطينية، وصل حامل الرسالة إلى القصر الحاكم فأُخْبِر أنَّ رئيس الجمهوريَّة في اجتماعٍ مع مجلس الشيوخ، فلم ينتظر؛ بل اندفع بقوَّةٍ داخل حجرة الاجتماع الكبرى صارخًا: La Grande Aquila è morta مات النسر العظيم!





بعد أن قرأ رئيس الجمهوريَّة رسالة سفير البندقية أعطى أوامره مباشرةً بدقِّ الجرس الأعظم في كنيسة سان ماركو، الذي لا يُدَقُّ إلَّا في ظروفٍ معيَّنةٍ محدودة؛ مثل وفاة رئيس الجمهوريَّة، أو قدوم عدوٍّ إلى أبواب المدينة، أو تحقيق نصرٍ للجمهوريَّة. بسرعة انتشر الخبر في المدينة كلِّها، وبدأت أجراس الكنائس كلها تُدَقُّ بالاشتراك مع الجرس الأعظم احتفالًا بموت الرجل الذي عُرِفَ عندهم بالتركي العظيم Grande Turco، أرسل رئيس الجمهوريَّة فورًا رسالةً إلى البابا سيكستوس الرابع في روما، ولمـَّا وصلته الرسالة أمر بإطلاق المدافع من قلعة سان أنجلو، وكذا أمر بدقِّ أجراس روما كلِّها، ثم استدعى كلَّ الكرادلة، وأيضًا كلَّ السفراء، ليقوم بمسيرةٍ حاشدةٍ من كنيسة سان بيتر Basilica of San Peter إلى كنيسة سانتا ماريا Church of Santa Maria، وفي الليل أُضيئت روما بالألعاب الناريَّة مع استمرار دقِّ الأجراس وصلوات الشكر في كلِّ الكنائس»[37]!




تقول المؤرِّخة الإنجليزيَّة إليزابيث ستون Elizabeth Stone: «عندما علم البابا بموت محمد الفاتح أمر بصلوات الشكر لمدَّة ثلاثة أيَّامٍ متتالية. لقد استراحت النصرانية من أشدِّ أعدائها صعوبة»[38]!.




لم تكن هذه الراحة النصرانية في إيطاليا فقط؛ بل انتشرت في أوروبا كلِّها. يقول چون فريلي: «عمَّت الألعاب الناريَّة، وأصوات أجراس الكنائس، كلَّ شمال أوروبا؛ لقد مات التركي العظيم، ولا تحتاج أوروبا إلى الخوف بعد اليوم»[39]!




أمَّا سعادة رودس فقد فاقت الحدود! خاصَّة أنَّهم على الأغلب كانوا المحطة التالية لجيش السلطان الفاتح؛ ولذلك فقد اجتمع فرسان القديس يوحنا مبتهجين في يوم 31 مايو 1481م يستمعون لخطبةٍ طويلةٍ خطبها فيهم كاورسين جيوم نائب السيِّد الأكبر، وبدأها بحمده للربِّ على أنَّ جرح النصرانية المسموم قد اندمل، وأنَّ النار المشتعلة قد أُخمدت، وأنَّ الثعبان المتوحِّش وأسوء أعداء الصليب محمدًا الثاني قد مات، ثم أكمل خطبةً طويلةً مليئةً بالسباب والقذف؛ وصف فيها الفاتح بأنَّه تابعٌ للشيطان، مع صفاتٍ أخرى كثيرة تخرج عن حدود الألفاظ الطبيعيَّة التي يتكلَّم بها الخطباء والشعراء والسياسيُّون، إلى ألفاظ السفهاء الذين لا يُقدِّرون قيمة الكلمة، ولا يعرفون أدب الحديث، وخطبة كاورسين موجودة محفوظة، ويُمكن الرجوع إليها في مصادر عدَّة[40]، ولقد وصفتها الدكتورة تيريزا ڤان بأنَّها خطبة لاذعة تُعَدُّ نموذجًا للقدح والذمِّ[41]!




لقد لخَّص المؤرِّخ الإنجليزي استيفين تيرنبول Stephen Turnbull رؤية الأوروبيِّين لموت الفاتح بقوله: «لم تكن القوَّات متعدِّدة الجنسيَّة التي يُحاول البابا أن يُكَوِّنها لتحفظ إيطاليا؛ إنَّما الذي حَفِظَ إيطاليا على وجه الحقيقة هو موت محمد الفاتح»[42]!




ومع كلِّ هذه المظاهر من الفرحة الأوروبِّيَّة لموت الفاتح فإنَّ المفكِّرين والدبلوماسيِّين المنصفين كانوا ينظرون إلى الأمور نظرةً متوازنةً تُمكِّنهم من اكتشاف مواطن العظمة في القادة والزعماء، وهذا هو الذي دفع الدبلوماسي الفرنسي الشهير، والمؤلِّف الفذ، فيليب دي كومينز Philippe de Commines أن يقول في مذكِّراته: «إنَّ أعظم ملوك أوروبا في القرن الخامس عشر هم: محمد الفاتح، ولويس الحادي عشر ملك فرنسا، وماتياس ملك المجر»[43]، والمهمُّ أنَّه يقول هذا الكلام مع أنَّه يعمل في البلاط الملكي للملك الفرنسي لويس الحادي عشر[44]، وهذا الجمع في العظمة بين الفاتح والملك الفرنسي يُمكن أن يُسبِّب له حرجًا، لكنَّها كانت الحقيقة التي لا يُمكن إخفاؤها.




ولم تكن هذه النظرة خاصَّة بفيليب دي كومينز وحده، بل بكثيرٍ من الكُتَّاب الأوروبيِّين، والمفكِّرين الغربيِّين، وهذا ما دفع المؤرِّخ الإيطالي، والأستاذ بجامعة كوين Queen الكنديَّة، أنتوني دي إيليا Anthony D'Elia أن يقول: «إنَّ انتصارات محمد الفاتح السريعة وطموحاته الثقافيَّة، حضَّت الكُتَّاب النصارى على مقارنته بالإسكندر الأكبر»[45].




إنَّه لا يُمكن تجاهل مثل هذا الشخصيَّة الفذَّة، ولا إنكار أثرها الفريد في العالم، ولذلك عندما قرَّر المؤرخ الأميركي ديڤيد ديل تيستا David Del Testa أن يكتب مع رفقائه موسوعة عن أهمِّ القادة والحكَّام والسياسيِّين في العالم، الذين أثَّروا في حركة التاريخ في الأرض، اختار مائتي شخصيَّة من كلِّ العصور، منذ فجر التاريخ حتى زماننا المعاصر، وكان من بين الشخصيَّات محمَّد الفاتح، وكتب في مقدِّمة حديثة عنه: «محمَّد الفاتح هو المؤسِّس الحقيقي للإمبراطوريَّة العثمانيَّة، وهو الذي ثبَّت دعائمها في شرق البحر المتوسط، كما أنَّه هو الذي رسَّخ الشخصيَّة السياسيَّة والحضاريَّة للإمبراطوريَّة التي ظلَّت باقيةً حتى القرن العشرين»[46].




هكذا كَتَب اللهُ لقصَّة محمَّد الفاتح النهاية في 3 مايو 1481م، لكن لم ينته الحديث عنه بموته، بل ظلَّ باقيًا، بسيرته، وكفاحه، وجهاده، وصبره، ومصابرته، ولقد ظلَّت الكثير من الملفَّات مفتوحة بعد وفاته، فهذا ملفٌّ في رودس، وذلك في إيطاليا، وثالث في البغدان، ورابع في المجر.. وكذا هناك ملفَّاتٌ كثيرةٌ في البندقية، وألبانيا، وصربيا، والشام، ومصر، وإيران، وملفَّات في البحر المتوسط، وأخرى في البحر الأسود، وثالثة في بحر إيجة، ورابعة في البحر الأيوني، وخامسة في البحر الأدرياتيكي! لقد كان عمله كبيرًا، ونشاطه ضخمًا..





ولقد أُغْلِقت بعض هذه الملفَّات في حياة خَلَفِه بايزيد الثاني، وأُغلقت أخرى في حياة حفدته؛ سليم الأول، وسليمان القانوني، وأُغلقت ثالثة في حياة مَنْ جاء بعدهم من السلاطين، وما زالت بعض هذه الملفَّات مفتوحة إلى يومنا هذا! وما أبلغ الكلمة التي قالها المؤرخ الإنجليزي الشهير أرنولد توينبي Arnold Toynbee تعليقًا على موت محمد الفاتح: «يكمن جسد الفاتح في القبر، ولكن روحه تسير»[47]!





رحم الله المجاهد الكبير محمد الفاتح..

وما أروع أن نختم هذا الفصل من التاريخ بكلمات المؤرِّخ المصري المملوكي ابن إياس، فإنَّ لها وقعًا خاصًّا في النفوس؛ لأنَّها تأتي من مؤرِّخٍ عاش حياته في القاهرة، إلى جوار سلاطين دولة المماليك، وكان الجميع يرى التوتُّر الذي بين الدولة العثمانيَّة ودولة المماليك، ويعلم الجميع كذلك أنَّ ابن إياس كان يأخذ موقفًا معاديًا من الدولة العثمانيَّة لخلافها مع دولة المماليك، ولم يمنعه ذلك من أن يذكر السلطان الفاتح بالخير والثناء، ولقد كتب في أحداث شهر ربيع الأوَّل عام 886هـ ما هذا نصُّه: «جاءت الأخبار بوفاة السلطان المعظَّم، المفخَّم، المجاهد، الغازي، ملك الروم، وصاحب القسطنطينية العظمى، وهو محمَّد بن مراد بن أبي يزيد بن عثمان، وكان ملكًا جليلًا معظَّمًا، ساد على بني عثمان كلِّهم، وانتشر ذكره بالعدل في سائر الآفاق، وحاز الفضل، والعلم، والعدل، والكرم الزائد، وسعة المال، وكثرة الجيوش، والاستيلاء على الأقاليم الكفريَّة، وفتح الكثير من حصونها وقلاعها...»[48]![49].


[1] Rogerson Barnaby The Last Crusaders [Book]. - Boston, USA : little, brown, and compan, ****., p. 109.
[2] Setton Kenneth Meyer The Papacy and the Levant, 1204-1571: The fifteenth century [Book]. - [s.l.] : American Philosophical Society, 1976, vol. 2, p. 370.
[3] Finkel Caroline Osman's Dream: The Story of the Ottoman Empire 1300-1923 [Book]. - london UK : John Murray, 2005, p. 128.
[4] Rogerson Barnaby The Last Crusaders [Book]. - Boston, USA : little, brown, and compan,****, p. 109.
[5] Eagles Jonathan Stephen the Great and Balkan Nationalism: Moldova and Eastern European History [Book]. - [s.l.] : I.B. Tauris,2014, p. 216.
[6] Wolfe Michael The Medieval City Under Siege [Book]. - Woodbridge, UK : The Boydell & Brewer press,1995, p. 252.
[7] Giannone Pietro The Civil History of the Kingdom of Naples [Book]. - cornbill, UK : G. Strahan,1731, vol. 2, p. 407.
[8] Gosman Martin, James Alasdair Macdonald and Vanderjagt Arje Princes and Princely Culture 1450-1650 [Book]. - Boston, USA : Brill 2005, vol. 2, p. 213.
[9] Har-El Shai Struggle for Domination in the Middle East, The Ottoman-Mamluk War, 1485-1491 [Book]. - Leiden, Netherlands : Brill,1995, p. 102.
[10] محمد أحمد دهمان: بين المماليك والعثمانيين الأتراك، دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر، دمشق، 1986م، ص28.
[11] Babinger Franz Mehmed the Conqueror and His Time [Book]. - [s.l.] : Princeton university Press,1978, p. 396.
[12] يلماز أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة عدنان محمود سليمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، تركيا، إستانبول، 1988م،1/ 176.
[13] Rogerson, ****, p. 109.
[14] يلماز أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية،1/ 176.
[15] Finkel, 2005, p. 128.
[16] freely John Inside the Seraglio: Private Lives of the Sultans in Istanbul [Book]. - New York, USA : viking, 1999, p. 28.
[17] القرماني: أخبار الدول وأثار الأول في التاريخ، تحقيق: الدكتور أحمد حطيط، الدكتور فهمي سعد، عالم الكتب، الطبعة الأولى 1412ه= 1992م، 3/ 36.
[18] Babinger Franz Mehmed the Conqueror and His Time [Book]. - [s.l.] : Princeton university Press, 1978, p. 393.
[19] أحمد آق كوندز وسعيد أوزتورك: الدولة العثمانية المجهولة، وقف البحوث العثمانية، إستانبول، ****، ص151.
[20] Babinger, 1978, p. 404.
[21] Crowley Roger 1453: The Holy War for Constantinople and the Clash of Islam and the West [Book]. - New York : Hyperion , 2005,p. 254.
[22] يلماز أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية، 1/ 177.
[23] Babinger, 1978, pp. 404-405.
[24] محمد حرب: العثمانيون في التاريخ والحضارة، المركز المصري للدراسات العثمانية وبحوث العالم التركي، القاهرة، 1994م، ص56.
[25] يلماز أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية، 1/ 177.
[26] أحمد آق كوندز وسعيد أوزتورك: الدولة العثمانية المجهولة، ص151.
[27] Rogerson, ****, p. 109.
[28] Freely, 1999, p. 28.
[29] Konshin Victor Beating Gout [Book]. - New York, USA : Ayerware publishing,, ****, pp. 56-58.
[30] Babinger, 1978, p. 404.
[31] Freely, 1999, p. 28.
[32] Kinross Patrick Balfour Baron The Ottoman Centuries: The Rise and Fall of the Turkish Empire [Book]. - london : Cape, 1977, p. 161.
[33] Freely, 1999, p. 29.
[34] Fisher Sydney Nettleton The Foreign Relations of Turkey, 1481-1512 [Book]. - Illinois, USA : university of Illinois Press,, 1948, p. 19.
[35] يلماز أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية، 1/177, 185.
[36] Crowley, 2005, p. 254.
[37] Freely, ****, p. 180.
[38] Stone Elizabeth History of the Ottoman Empire in Europe [Book]. - London, UK : W. Collins, 1877, p. 108.
[39] Freely, 1999, p. 31.
[40] Agnew Holmes John and Bidwell Walter Hilliard Eclectic Magazine: Foreign Literature [Book]. - London, UK : leavitt, Throw and company, 1855, vol. 34, pp. 523-524.
[41] Vann Theresa M. The Role of Rhetoric and Diplomacy in the Creation of Muslim Identity in Fifteenth-Century Rhodes [Book Section] // Mediterranean Identities in the Premodern Era / book auth. Watkins John and ‏ Reyerson Kathryn L. - surrey, UK : Ashgate, Publishing,, 2014, p. 110.
[42] Turnbull Stephen The Walls of Constantinople AD 324–1453 [Book]. - Oxford, UK : Osprey Publishing, 2012 A, p. 45.
[43] Babinger, 1978, p. 377.
[44] Kleiman Irit Ruth Philippe de Commynes [Book]. - Toronto, Canada : university of Toronto Press, 2013, p. 50.
[45] D’Elia Anthony F A Sudden Terror [Book]. - London, UK : Harvard university Press, ****, p. 12.
[46] Testa David W. Del Government Leaders, Military Rulers and Political Activists [Book]. - Westport, CT, USA : Oryx Press, 2001, p. 123.
[47] Toyndee Arnold Joseph The Ottoman Empire in World History [Article] // JOURNAL ARTICLE, Proceedings of the American Philosophical Society,. - Philadelphia : American Philosophical Society, 1955, vol. 99, No. 3, p. 126.
[48] ابن إياس: بدائع الزهور في وقائع الدهور، ترجمة، محمد مصطفى، فيسبادن، فرانز شتاينر، 1984م، 3/ 181.
[49] هذا المقال من كتاب "قصة السلطان محمد الفاتح" للدكتور راغب السرجاني، طبعة دار أقلام .


المواضيع المتشابهه:


hgsg'hk lpl] hgthjp >> hgl,j l[hi]Wh! freely History John london press university USA Hpl] Hvq Hlv Hk~Q Hk~Qi H,v,fh Yfvdg Ys'kf,g Ygn Yd'hgdh hfk hgHu/l hgfhfh hgfpv hgjhvdo hgjd hg[da hg],hx hg],gm hg`d hgvshgm hgw]v hgthjpK hggi hglpjlg fhgYqhtm fhd.d] fu] fuq fdk jhvdo j;k pjn `g; uhl ugn uk] tvshk ;hk ;hkj ;hk,h ;g~Q ;lh gr] gi`h lhj lhd, leg lg; i`h i`i i;`h ,td ,;hk ,gh ,gr] ,g;k ,gds ,lh ,lk ,i`h ,i, dr,g d;,k d,l dEl;k