الجذور التاريخية للحروب الصليبية 662672_womenw.jpg


الحركة الصليبية ليست فقط تلك الفترة الممتدة بين سنتي 488- 690هـ= 1095- 1291م والتي تُسمَّى عند المؤرخين بالحملات الصليبية، بل تمتد جذورها إلى بداية ظهور الإسلام وعصر الرسالة، فمنذ العام الخامس للهجرة وعبر معارك دومة الجندل، وذات السلاسل، وغزوة مؤتة، وتبوك، كان الخطر الصليبي متمثلًا في المعسكر البيزنطي ويتحسس نشر الدين الإسلامي ويعد العدة لوقفه، وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وتدفق القوات الإسلامية في البلاد البيزنطية وإخراج البيزنطيين من ممتلكاتهم في آسيا وإفريقيا خلال العصر الراشدي، كانت هناك ردود أفعال عديدة وهجمات مضادة نفذها المعسكر البيزنطي في البر والبحر، ولكنها آلت في معظمها إلى الخسران، ثم ما لبث البيزنطيون أن انحسروا عبر العقود التالية في شبه جزيرة الأناضول، وذلك بفضل الملاحقة الدؤوبة التي قام بها الأمويون خلال عمليات المصافي والمشاتي ابتداء من عهد معاوية بن أبي سفيان، ثم عهد عبد الملك بن مروان وبنيه الوليد وسليمان وغيرهم.

وفي عهد الخلافة العباسية استمرت صراعات المسلمين مع الروم، ولعل أبرزها في العصر العباسي الأول فتح مدينة عمورية أكبر مدن البيزنطيين بالأناضول سنة 223هـ= 838م، تلك الفتح الذي جاء من الخليفة العباسي المعتصم ردًا على اعتداءات الروم على المسلمين في الثغور، كما قام العباسيين بأعمال غزو كبيرة أخرى ضد الروم في عهد الرشيد والمأمون حتى باتوا يدفعون الجزية للدولة الإسلامية، ومع ضعف الدولة العباسية وقيام الإمارات في أرجاءها اصطدم البيزنطيون بكل من الطولونيين والحمدانيين والعبيديين بثغور الشام طيلة العصر العباسي الثاني.
وفي فترة الوصاية السلجوقية على خلافة بغداد وقعت معركة من أشهر وقائع المسلمين مع الروم وهي معركة ملاذ كرد عام 463هـ= 1071م التي انتصر فيها السلطان السلجوقي ألب أرسلان على الجيش الرومي، وتعد هذه الواقعة أخر المعارك الكبرى مع الدولة البيزنطية حيث تقلصت على إثرها مساحة بيزنطة وانساح المسلمون في أراضي آسيا الصغرى واقتطعوا أجزاء كبيرة من بلاد الروم، وبمرور الوقت وبعد عدة قرون أصبح خطر الهجمات البيزنطية محدودًا بسبب يقظة القيادات الإسلامية وقيامها بهجمات مستمرة ضد الدولة البيزنطية، ومع تراجع نفوذ البيزنطيين ظهرت قوة الدولة العثمانية التي توسعت في آسيا الصغرى وقضت على الإمبراطورية البيزنطية بفتح عاصمتها القسطنطينية عام 857هـ= 1453م على يد السلطان العثماني محمد الفاتح.

أيضًا تلك الفترة الزمنية الممتدة بين سنتي (488- 690هـ= 1095- 1291م) أحد أطوار الحروب الصليبية، وقد تصالح المؤرخين على إطلاق مصطلح الحملات الصليبية على الحركة الاستعمارية الصليبية التي ولدت في هذه الفترة، والتي اتخذت شكل هجوم مسلح على بلاد المسلمين في الشام والعراق والأناضول، ومصر وتونس لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين والقضاء عليهم واسترجاع بيت المقدس، وكان لزامًا على المسلمين أن يطردوا هؤلاء الصليبيين لذلك برزت في هذا العصر شخصيات جهادية كان لها الفضل في مقاومة الغزاة وتحقيق النصر كمودود بن التونتكين وعماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين، ولم يضعفوا ولم يستكينوا على مدى قرنين من الزمن حتى أذن الله بزوال العدوان وجلاء آخر غاز صليبي عن أرض الإسلام.

في الوقت الذي كانت فيه المواجهات مستمرة بين المسلمين والبيزنطيين في شرق أوروبا، شهدت الساحة الأندلسية في غرب أوروبا هجمات مضادة ومتواصلة ضد المسلمين هناك أيضًا، ولعل معركة بلاط الشهداء التي خسرها المسلمين في سنة 114هـ= 732م أكبر دليل على حجم هذا الهجوم والصراع، وقد شكلت هذه المعركة نقطة تحول في تاريخ المسلمين بأوروبا حيث أدى انكسار الجيش الإسلامي فيها إلى توقفه عن استكمال الفتوحات، ولكن ما لبست شوكة المسلمين أن قويت مرة أخرى في الأندلس في عهد عبد الرحمن الداخل وفي عصر عبد الرحمن الناصر والحاجب المنصور، ولكن بعد سقوط الخلافة وقيام دول الطوائف ضعفت أحوال المسلمين وسقطت مدن كبرى ثم جاءت دفقة الحيوية الإسلامية الجديدة بعد ذلك مرتين إحداهما على يد المرابطين القادمين من المغرب الذين سجلوا لنا في صفحات المجد انتصارهم العظيم في معركة الزلاقة على الإسبان في عام 479هـ= 1086م والأخرى على أيدي الموحدين الذين حققوا انتصارًا ساحقًا على النصارى في معركة الأرك سنة 591هـ= 1195م، ولكن الموحدين عادوا فهُزِموا في موقعة العقاب سنة 609هـ= 1212م، ثم بدأت الدولة تضعف وتنهار، الأمر الذي حول الميزان لصالح القيادة النصرانية التي تمكَّنت في نهاية المطاف من إسقاط غرناطة آخر كيان إسلامي هناك عام 897هـ= 1492م.

بعد سحق الوجود الإسلامي في إسبانيا لم تتوقف حروب الصليبيين، بل زادت واتخذت أبعادًا أخرى فمع بداية القرن الخامس عشر الميلادي ظهر ما سمي بعهد الكشوفات الجغرافية التي كانت إحدى الوجوه الصليبية الموجهة إلى العالم الجديد والعالم الإسلامي على حد سواء، وبدأت أوروبا بقيادة إسبانيا والبرتغال ومن بعدهما بريطانيا وهولنده وفرنسا عملية الالتفاف على العالم الإسلامي في شواطئ إفريقيا وآسيا حتى وصلوا إلى الطريق البحري الجديد رأس الرجاء الصالح عام 1487م، واحتلوا السواحل الإفريقية وانتزعوا من أيدي المسلمين الكثير من البلدان والمدن، كما سيطروا على الخليج العربي خلال القرن السادس عشر، ومع أن المماليك في مصر والشام قد بلغوا مرحلة الإعياء، وأن اكتشاف رأس الرجاء الصالح قد وجه لتجارتهم ضربة قاصمة، إلا أنهم بعد عدة عقود تحركوا مع الدولة العثمانية في مطلع القرن الثامن عشر لمجابهة الموقف وإنقاذ العالم الإسلامي مما أرهب الأوربيين، ليس هذا فحسب بل دافعت الشعوب والقيادات الإسلامية دفاعًا مستميتًا عن أوطانها، وضربت مثلًا صلبًا في مقاومتها للعدوان وألحقت بهم خسائر فادحة.

بعد ذلك جاءت الموجة الأوروبية على يد القوات الاستعمارية التي دفعتها الثورة الصناعية إلى فريقيا لتصريف بضائعها والحصول على الخامات الضرورية، وتسخير الطاقات البشرية المستعبدة في القارة عن طريق نقلها بالقوة فيما يعرف بحركة تهجير العبيد التي ذهب ضحيتها عدد كبير من أبناء الشعوب الإسلامية في إفريقيا، واستمرت هذه الموجة التي قادتها بريطانيا وفرنسا وهولنده وبلجيكا وإيطاليا، وألمانيا حتى العقود الأولى من القرن العشرين، وكان العالم الإسلامي فريستها الأولى.
وكانت هذه الموجة رغم أهدافها الاقتصادية تتحرك على خلفية صليبية عبَّرت عن نفسها في أكثر من واقعة، وقدَّمتْ عبر التاريخ أكثر من دليل: مثل ذلك ما قاله غلادستون رئيس الوزراء البريطاني أمام مجلس العموم البريطاني وهو يمسك بالمصحف الشريف قائلًا: ما دام هذا في عقول المصريين وقلوبهم فلن نقدر عليهم أبدًا، وأيضًا عندما دخل القائد البريطاني الصليبي الجنرال اللنبي القدس بعد الحرب العالمية الأولى منتشيًا بفتح القدس وفلسطين قال: الآن انتهت الحروب الصليبية، وأما زميله القائد الصليبي الفرنسي غورو فقد ذهب إلى قبر صلاح الدين في دمشق وقال عند القبر متشفيًا: ها نحن عدنا يا صلاح الدين.
واستمرت الحرب الصليبية فلم تتوقف فقامت بريطانيا بإعطاء وطن لليهود على أرض فلسطين وإقامة دولة يهودية واتخذت من القرارات والإجراءات الإدارية والعسكرية ما تقيم هذه الدولة، وبخاصة عندما اعلنت بريطانيا انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في 15/5/ 1948م، ولقد عُلق آلاف الشهداء من المجاهدين المسلمين على أعواد مشانق الصليبيين الإنجليز في تلك الفترة، وزُج في غياهب السجون عشرات الألوف.
إلا أن هذا الهجوم الاستعماري الصليبي المضاد لم يمضي بسلام ولم تركع الشعوب الإسلامية أمامه، بل شمروا عن ساعد الجد وألحقوا بهم الهزائم والويلات، ليس هذا فحسب بل إن الاستجابة للتحدي الاستعماري بعث حركات إسلامية أصيلة استهدفت مقارعة العدوان وتحرير الأرض والعقيدة والإنسان وقدمت أبطال تحدث عنهم الغربيون قبل الشرقيين أمثال محمد عبد الكريم الخطابي بالمغرب وعبد القادر الجزائري بالجزائر وعمر المختار بليبيا، وغير ذلك من المجاهدين وحركات التحرر التي تحتاج إلى أقلام صادقة لبحثها وكتابتها.



قصة الإسلام

المواضيع المتشابهه:


hg[`,v hgjhvdodm ggpv,f hgwgdfdm Nov Nsdh Hovn Hvq H;fv H;ev H,v,fh Ygh Ygn hgH,gn hgYsghl hgYsghld hgYsghldm hghsjulhvdm hgfvd'hkd hgjd hgpvf hgpv,f hgoghtm hg],gm hg]dk hg`d hgv[hx hgahl hgau,f hgai]hx hgwhgp hgwgdfd hguhgl hgufhsd hgufhsdm hguelhkdm hguwv hgtjvmK hgrhz] hgr]s hgrvk hglsgldk hgllj]m hgl,[m hgi[,l hg,rj f]hdm fvd'hkdh fu] ftjp fgh] fil fdk jg; pjn pde oghg ]gdg `g; `if vHs skm wghp uhl uf] u]m ugn ugdil uk] uk]lh ui] tgs'dk ;hkj ;fdvm ;lh gds lpl] l]k lsjlvm luv;m i`h i`i ikh; ,hsjlvj ,hgjd ,td ,r] ,rdhl ,gug ,g;k ,gl ,lu