العلم والعمل دعامتا المجتمع الإسلامي 599555_womenw.jpg

قام المجتمع الإسلامي - في إطار الشريعة - على دعامتين أساسيتين تمثلان قوام التطور والبقاء، وهما: العلم والعمل، والربط بين العلم والعمل هو الروح الحقيقية الفاعلة والمؤثرة، والعلم شمولي يضم ما ينفع الدنيا وما ينفع الآخرة... ولا شيء عند النظر الإسلامي الصحيح يسمى بعلوم الدين، أو علوم الدنيا؛ فكل علم نافع هو علم دين وعلم دنيا، وكل علم ضار هو علم غير إسلامي، ولن ينفع الدين، ولن ينفع الدنيا، بل إن (العلم الواحد) قد يكون - وفق منهجية معينة - علما إسلاميا، وبالتالي نافعا للدين والدنيا، وقد ينقلب نفسه إلى علم غير إسلامي إذا خضع لمنهجية جدلية، أو جمد عند إطار معين، أو أخذ حجما أكبر من حجمه في إطار منظومة المعرفة الإسلامية، وإشعاعاتها المحددة في الحياة.
إن علم الطب قد يكون علم دين عندما يلتزم بالمنهج والأخلاق والغاية وينفع الناس... بينما يصبح (علم الكلام)، أو (علم الفقه) علم دنيا إذا حاد عن المنهج وفقد أخلاق الإسلام وغايات الإسلام، ولم يعد نافعا للناس؛ بل أصبح تبديدا لطاقتهم، وترفا في فكرهم، ومركبا ذلولا لأطماع الدنيا وأهواء الحكام.
وفي ضوء هذا الوعي بأهمية العلم الشمولي الذي ينظر في النفس والآفاق، ويقدر الله حق قدره...

وفي ضوء الربط بين العلم والعمل، والإيمان بأن العمل ضرورة لا مناص منها، وأنه داخل في العبادة، وفي عموم الهدف الأعلى للحياة الذي يحدده قوله - تعالى - {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وتمثلا بـسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الذين جمعوا بين العبادة والعمل والجهاد في معادلة متكاملة منسجمة رائعة...

في ضوء هذا الوعي بقيمة العمل القائم على العلم، انطلق المسلمون يعمرون الكون، ويتفوقون في الحرف والصناعات، ويزرعون ويتاجرون ويشتغلون بكل العلوم النافعة، أو بتعبيرهم الإسلامي {العمل الصالح} أي القائم على الصلاح والصلاحية، وبما أن العمل يستلزم لطبيعة أدائه معرفة الظروف والوسائل والإمكانات والغايات، ولا يستقيم له أن يكون صالحا إذا كان ضربا من الخبط في الظلام أو الانسياح مع هوى أو وهم، أو عصبية[1]؛ لأنه يستلزم ذلك فقد التزم المسلمون في عملهم ـ في حدود الممكن البشري - بالمواصفات الإسلامية للعمل الصالح.
وهذه واحدة من المعالم الرئيسة في تفسير الإسلام للتاريخ، وفي المنظومة التي يقيم عليها بناءه للحضارة وضماناته لاستمرارها: إنها تتلخص في أن يعمل الإنسان بوحي من العقل، وفي ضوء المعرفة، على تحسين المسير وتفادي السوء، والقيمة الحقيقية إنما هي للعمل الصادر عن فكر نير في سبيل غاية شريفة.[2] إنه الوحي والعقل، والصلاح والصلاحية، والعلم والعمل؛ في نسيج واحد...

ولقد كان لمفكري الإسلام على امتداد التاريخ يد طولى وأساسية في نشر هذا الاعتقاد السائد اليوم، وهو: (إن التاريخ البشري الناشئ عن تفاعل عدد لا يحصى من العقول الإنسانية، ينبغي أن يكون خاضعا لقوانين بسيطة يمكن أن تدركها تلك العقول)[3]، وبالتالي فقد كان لدى المسلمين نظرة عملية للتاريخ ترتبط بالفكر، وليست مجرد نظرة فلسفية هائمة أو حالمة، وهي نظرة عملية قائمة على ثوابت الوحي واجتهادات العقل.
وإذا كان القرآن كثيرا ما يضيف إلى (الذين آمنوا) وصف العمل الصالح (وعملوا الصالحات) فإن المسلمين قرنوا العلم بالعمل في الناحية الروحية، وكذلك امتازوا بتطبيق النظريات الكونية على التجارب العملية، وكانت هذه الخصلة القويمة فيهم نفحة من نفحات دينهم، فلم يمض عليهم ردح من الزمن حتى أصبحوا أئمة العلم والعمل في الأرض[4]، وقد شهد لهم كبار الأجانب بهذه المكانة فقال العلامة الفرنسي (غوستاف لوبون) في كتابه حضارة العرب:

{{إن العرب مع ولوعهم بالأبحاث النظرية لم يهملوا تطبيقها على الصنائع، فقد أكسبت علومهم صنائعهم جودة عظيمة جدا، وإننا وإن كما لم نزل نجهل أكثر الطرائق التي سلكوها لذلك، فإننا نعرف نتائجها وآثارها، فنعرف مثلا أنهم احتفروا المناجم، واستخرجوا منها الكبريت، والنحاس، والزئبق، والحديد، والذهب، وبرعوا في الصياغة وصقل الفولاذ، وبرعوا في كثير من فنون الصنائع براعة لم يلحق لهم شأو فيها للآن}[5].

ولم يتخلف المجتمع الإسلامي - وبعد أكثر من عشرة قرون من التفوق - إلا حين انفصل العلم عن العمل، ومن ثم أهمل العلم... وأهمل العمل؛ أما خلال قرون ما قبل التبعية والوقوع تحت ضغط الغزو الفكري ومشروعات الإبادة الحضارية، فقد كانت الروابط الإسلامية تحكم المجتمع الإسلامي (مع وجود الهنات البشرية) على مستوى المسجد، ومستوى الجيران، ومستوى الأرحام، ومستوى القربى، ومستوى العائلات والقبائل، ومستوى الأحياء في المدن، ومستوى الشعور الإسلامي الذي ينظم الأمة الإسلامية كلها...
ونسيج هذه الروابط تجمعها شريعة حاكمة، تقوم على العلم والعمل والوحي والعقل، والتعاون والتكامل، وليس التنافر والصراع.

ومن عجب أنه بينما لم يحسن بعض المؤرخين فهم تاريخ المجتمعات الإسلامية، ولا النظر الدقيق لمحركاتها وإيجابياتها، ولا الوصول إلى تحليل سليم لمكوناتها وعناصرها الحية... ولا التأريخ ليوم واحد كامل من أيام فرد مسلم، أو عائلة مسلمة، أو قرية مسلمة، منذ صلاة الفجر وشروق الشمس، وحتى تنام هذه الأسرة بعد صلاة العشاء... إنهم لم يفعلوا ذلك، ويرصدوا نصيب شريعة الإسلام في حياة المسلمين... أفرادا أو جماعات... في مستوى الالتزام الواعي -في الحياة الاقتصادية-ـ بالنظام الإسلامي في المعاملات... وفي مستوى (المسجد) عبادات وثقافة وعلاقات اجتماعية... وفي مستوى الأسواق، ودور المحتسبين فيها... وفي مستوى (الكتاتيب والمساجد) والنشاطات العلمية الموجودة فها... وفي مستوى المسلم، وعلاقة الزوجة بزوجها والأبناء بآبائهم، والأرحام، والجيران... وفي مستوى الأحوال الشخصية، وتأثيرها في بناء البيت المسلم وفي صياغة أفراحه ونظام تكوينه للأسرة... وأيضا في إخضاع البيت المسلم لشريعة الإسلام في شتى أحواله... عند الزواج، وعند الخلاف، وعند الموت وما يتبعه من ميراث إسلامي... وفي مستوى الأخلاق والروح العامة التي تحكم هذا المجتمع وتصوغ أطره وعلاقاته... إلا أنهم ذهبوا يحكمون على الحضارة الإسلامية من خلال رصد عاجز لشريحة واحدة، لا ترتفع فاعليتها لأكثر من عشر فاعلية الشرائح الأخرى التي صنعت حضارتنا، وهي شريحة الحكام...

بينما هذا -بصفة إجمالية- على مستوى المؤرخين والمنظرين المسلمين، نجد كثيرا من المؤرخين الأوروبيين (المنصفين) قد أحسنوا رصد الحياة الاجتماعية وأثر الإسلام فيها، واعترفوا بالمكانة الكبيرة والأساسية والقوية للشريعة الإسلامية في حياة المسلمين خلال تاريخ الحضارة الإسلامية الطويل... يقول المؤرخ الكبير (ول ديورانت): كان المسلمون كثيري التفكير في ربهم، وكانت مبادئهم الأخلاقية، وشريعتهم، وحكومتهم قائمة كلها على أساس الدين. والإسلام أبسط الأديان كلها وأوضحها، وأساسه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويتطلب الجزء الثاني من هذا الأساس الإيمان بالقرآن، وبكل ما جاء به من أوامر ونواه، والمسلمون الصالحون لا يعملون بما ورد في القرآن وحده؛ بل يعملون أيضا بالأحاديث والسنن النبوية التي احتفظ بها علماؤهم على مر الأجيال والقرون؛ ذلك أن المسلمين قد يواجهون على مر الزمن مسائل خاصة بالعقائد، والعبادات، والأخلاق، والتشريع، لا يجدون لها جوابا صريحا في القرآن. كذلك وردت في القرآن آيات متشابهات يخفى معناها على كثير من العقول، وتحتاج إلى إيضاح، ولهذا كان من المفيد أن يعرف المسلمون ما فعله النبي أو الصحابة، وما قالوه في أمثال هذه الموضوعات، ومن أجل ذلك وجه بعض المسلمين عنايتهم إلى جمع هذه الأحاديث، وأنشئوا مدارس للحديث في مختلف المدن يلقون فيها دروسا عامة في الحديث والسنن النبوية([6]).

ويعزو (ديورانت) سبب إسلام الشعوب المختلفة إلى تسامح المسلمين وتمسكهم العملي أمامهم بدينهم، فيقول: وعلى الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتجها المسلمون الأوائل، أو بسبب هذه الخطة؛ اعتنق الإسلام معظم المسيحيين وجميع الزراداشتيين والوثنيين إلا عددا قليلا منهم، وكثيرون من اليهود في آسيا، ومصر وشمال إفريقيا، فقد كان من مصلحتهم المالية أن يكونوا على دين الطبقة الحاكمة، وكان في وسع أسرى الحروب أن ينجوا من الرق إذا نطقوا بالشهادتين ورضوا بالختان، واتخذ غير المسلمين على مر الزمن اللغة العربية لسانا لهم، ولبسوا الثياب العربية، ثم انتهى الأمر بأتباعهم شريعة القرآن واعتناق الإسلام، وحيث عجزت الهلينية عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام، وحيث تركت الجيوش الرومانية الآلهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها، وفي البلاد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب الدولة البيزنطية الرسمي؛ في هذه الأقاليم كلها انتشرت العقائد والعبادات الإسلامية، وآمن السكان بالدين الجديد، وأخلصوا له، واستمسكوا بأصوله إخلاصا واستمساكا أنساهم بعد وقت قصير آلهتهم القدامى، واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلاد الممتدة من الصين، وإندونيسيا، والهند، إلى فارس، والشام، وجزيرة العرب، ومصر، والى مراكش، والأندلس، وتملك خيالهم، وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث فيهم آمالا تخفف عنهم الحياة ومتاعبها، وأوحى إليهم العزة والأنفة[7].

وبعد أن يخلص (ديورانت) من خلال سرده التاريخي المطول المتعمق؛ ينتهي إلى رأي تاريخي مقارن في الأثر الايجابي الفريد للشريعة الإسلامية في الحضارة... فيقول:
(ولا يسعنا إلا أن نسلم، مع بعض التحفظات - بأن الخلفاء الأولين من أبي بكر إلى المأمون قد وضعوا النظم الصالحة الموفقة للحياة الإنسانية في رقعة واسعة من العالم، وأنهم كانوا من أقدر الحكام في التاريخ كله، ولقد كان في مقدروهم أن يصادروا كل شيء، أو أن يخربوا كل شيء كما فعل المغول أو المجر، أو أهل الشمال من الأوروبيين؛ لكنهم لم يفعلوا هذا؛ بل اكتفوا بفرض الضرائب. ولما فتح عمرو مصر أبى أن يستمع إلي نصيحة ال.ر حين أشار عليه بتقسيم أرضها بين العرب الفاتحين، وأيده الخليفة في هذا الرأي وأمره أن يتركها في أيدي الشعب يتعهدها فتثمر. وفي زمن الخلفاء الراشدين مسحت الأراضي، واحتفظت الحكومة بسجلاتها، وأنشأت عددا كبيرا من الطرق وعنيت بصيانتها، وأقيمت الجسور حول الأنهار لمنع فيضانها)[8].

ومع تقديرنا لما كتبه ديورانت، وما كتبه غيره من أمثال أرنولد توينبي (ت 1975م) في كتابه (موجز دراسة للتاريخ) وغوستاف لوبون (ت 1932م) في كتابه حضارة العرب[9]، وآدم متز (ت 1917م) في تأريخه لحضارة العرب والمسلمين في القرن الرابع الهجري (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري)... فإن ما كتبه هؤلاء ـ ومن في مستواهم ـ لا يرقى إلى ما كتبه سير توماس أرنولد (1864 – 1930م) في كتابه الرائع (الدعوة إلي الإسلام)...

ولعل محاولتي الدكتور حسين مؤنس في كتابه (عالم الإسلام) و(الإسلام الفاتح) هما - في الجانب الإسلامي - المحاولتان القريبتان من المنهج الصحيح لتاريخ حضارتنا... وهما ـ ولا سيما ثانيتهما ـ تسيران على خطى محاولة أرنولد في تاريخ الدعوة إلى الإسلام... وليس في تاريخ بعض الحروب، أو بعض الحكام، أو بعض صور النزو على السلطة من بعض قطاع الطرق والمزورين لإرادات الشعوب، والمزيفين لحقائق التقدم وقوانين التحضر!!

إنها رحلة طويلة... رحلة كتابة تاريخنا الحضاري، بعيدا عن المنطقة البشرية ذات الصورة المعتمة التي أتاحت الفرصة لبعض المغرضين كي يظلموا هذا التاريخ... حقا إنها منطقة مظلمة... لكنها محددة، وثمة مساحات مظلمة تفوقها أضعافا مضاعفة في كل تواريخ البشرية... لكن تفرد حضارتنا أنها في مساحتها الوضيئة الأخرى - الأكبر والأشمل - لم يستطع أن يصل أي تاريخ إلى مستوى إنسانيتها ورحمتها وعدلها، وتوازنها، وشعورها بالمسؤولية الحضارية تجاه البشرية.

لقد كانت حضارة الرحمة، والعدل، والعلم، والعقل، والعمل، والضمير، والقلب...
وبغير روح وعقل وعمل لن تقوم حضارة إسلامية، ولا سيما في عصرنا الحديث !!
والتحدي الذي يواجهنا اليوم هو أن نعمل كما يعملون هناك في اليابان، وأوروبا، وأمريكا، وكوريا (عشر ساعات في اليوم)... ونمزج عملنا المادي بعناصر حضارتنا الإسلامية بمعادلاتها المتفردة... وفي مشكاتها الربانية... )يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ( [ النور: 35 ].

د: عبد الحليم عويس
[1] المرجع السابق، ص: 36.
[2] المرجع السابق، ص: 37.
[3]المكان السابق.
[4] محمد فريد وجدي: مهمة الإسلام في العالم، ص: 195، طبع الأزهر.
[5] نقلا عن المرجع السابق، ص: 196.
[6] ول ديورانت: قصة الحضارة 13: 116.
[7] المرجع السابق 13: 133.
[8] المرجع السابق 13: 105، وانظر موسوعة المستشرقين لعبد الرحمن بدوي، ص: 544، ط لبنان.
[9] انظر: مقدمة كتاب فلسفة التاريخ لعادل زعيتر، دار المعارف - مصر، 1945م.

المواضيع المتشابهه:


hgugl ,hgulg ]uhljh hgl[jlu hgYsghld