عماد عبيد

أديب و محامي سوري




امتطى صهوة الشعر وحث المسير، تزود بالرغبة الجامحة، أيقظ الورد من غفوته، اختار طوق الياسمين، وانتظر وعود السهوب، حتى إذا ما أينع القمح وحان القطاف، جال على بيدر الشعر يحصي الغلال، ينتظر المواسم كل عام، وحين اعترى القحط جبين الكلام، ترجل الفارس عن مهره الملتحي، ليترك الشعر في غيهب المعمعة، ينازع بين عزيف السنابك ورجع الحداء، ويسهج إلى خلوة في الفراديس البعيدة، كنيزك ينير ظلام السفر، ويكتب على صفحة الوعد رقية من السحر والتمتمات، ستطرد روح المارقين عن شرفة البوح الشفيف، ويرتقي سدة الحب كعاشق أماط اللثام عن حلمه الشقي ، … هناك …في التاريخ الصاعد حط الرحال واستتب المقام.
ما بين 12/3/1923و30/4/1998 قصة لقامة من قامات الشعر العربي امتد مجدها من المحيط إلى الخليج ، وتشظت حروفها لتنشطر في قلوب العاشقين، كأنها العطر ينداح من زجاجة الحب ويضوع في شعاب الأمنيات .



نزار قباني ذاك الدمشقي العريق، افتتح مدرسة للعشق والسياسة معا ، فحلق بهما سويا، وكرس الحب رسالة أبدية، استطاع فيها أن يخرج حواء من كابوس الخطيئة، وأن يعيد لأدم فروسية العاشق النبيل.

أعود لأبحث عن حبل مشيمتي

وعن الحلاق الدمشقي الذي ختنني

وعن القابلة التي رمتني في طشت تحت السرير

وقبضت من أبي ليرة ذهبية

وخرجت من بيتنا في ذلك اليوم من آذار 1923

ويداها ملطختان بدم القصيدة


بهذه الكلمات يصف أبو توفيق يوم ولادته، وكأنه انبلج من رحم القصيدة، وهو المسكون بوهج الحروف و موسيقا الحياة ، أمسك قاموس اللغة وبسطه بين أشعاره، وانحاز إلى المرأة كمعشوقة أبدية، لتتبادل مع دمشق وياسمينها أدوار البطولة في رحلة الملاح الأشقر بين الانتماء والعبث، بين الحنين والضجر، بين الجمال وتضاريس السياسة.
ولد نزار قباني في دمشق (حي الشاغور) في 21/3/1923 وتلقى علومه الابتدائية والإعدادية والثانوية بدمشق ، ودرس الحقوق في الجامعة السورية وتخرج منها عام 1945، عمل في السلك الدبلوماسي من عام 1945وحتى عام 1966 حيث شغل عددا من المناصب
الدبلوماسية بين القاهرة وأنقرة ولندن وبيروت وبكين ومدريد، استقال من العمل الدبلوماسي ليختار الشعر قدرا حتميا في الحياة ، وأسس في بيروت دارا للنشر باسمه، صدرت منها أعماله الشعرية لغاية عام 1980 في ثلاثة مجلدات ضخمة، وقد نشر مجموعته
الشعرية الأولى (قالت لي السمراء ) في دمشق عام 1944ثم تلتها مجموعاته الأخرى، مثل (طفولة نهد) و( قصائد ) و (أنت لي) و( حبيبتي ) و(الرسم بالكلمات) و(سامبا) و(قصائد متوحشة) و(كتاب الحب) و(مائة رسالة حب) و(الممثلون والاستجواب) و غيرها.
يعتبر نزار قباني من أغزر الشعراء العرب في القرن العشرين، إن لم نقل في تاريخ الشعر العربي، وليس هنالك شاعر عربي كُتب عنه وتناولته الأقلام كما كُتب عن نزار.
توفي في لندن بتاريخ 30/4/1998 ودفن في دمشق (عملا بوصيته) في 4/5/1998 وقد أهدته دمشق شارعا باسمه في حي (أبو رمانة) .
لقد طلب في وصيته أن يدفن في دمشق في مقبرة العائلة وقال: ( إن دمشق هي الرحم الذي علمني الشعر وأهداني أبجدية الياسمين ، فهكذا يعود الطائر إلى بيته والطفل إلى صدر أمه)
فدمشق كانت ومازالت بالنسبة له معشوقة أبدية، طرز على أبوابها كلاما لم يقله عاشق لمعشوق، وما من مدينة اقترن اسمها بشاعر كما اقترنت دمشق بنزار قباني :

يا دمشق التي
تفشَّى شذاها …. تحت جلدي كأنه الزيزفون

بل إنها معشوقة لا براء من هواها :



هذي دمشق وهذي الكاس والراح …… إني أحب وبعض الحب ذباح

أنا الدمشقي لو شرحتم جسدي …….. لسال مـنه عناقـيد وتفــــــــــاح

جراحة القلب تشفي بعض من عشقوا … وما لقلبي إذا أحببت جــرَّاح





هذا الدبلوماسي الذي زار أصقاع الأرض وتنقل في شعابها لم يجد فيها من يثنيه عن حب دمشق واستذكارها ، فلا بد من العودة إليها لينضح من بحر هواها.

يا شام إن جراحي لا ضفاف لها …… فمسّحي عن جبيني الحزن والتعبا

أرجعيني إلى أسوار مدرستي …….. وارجعي الحبر والطبشور والكتبا

إذا كان المتنبي أسطورة العرب الشعرية رغم أنه جاء في عصر الانحطاط فإن نزار يكرر الأسطورة في عصر الانكسار والتشرذم .
في عام 1944كان نزار في الحادية والعشرين من عمره عندما أصدر ديوانه (قالت لي السمراء)، لم يطبع من الديوان سوى ثلاثمائة نسخة وزعت باليد في دمشق، وكانت هذه النسخ القليلة بداية لحريق شعري امتد إلى ساحة الشعر العربي وترك العسيس يلذع قلوب الحيارى كأنه بردٌ وسلامٌ .

أدخل إلى قاموس الشعر كلمات جديدة وتلاعب بالكلمات القديمة ودخل لغة المرأة رجلا وخرج منها رجلا بالمقاربة بين الأحاسيس و الأجساد والروائح.
كتب قصائد الحب وقصائد السياسة ، فأضرم نار الشوق والهيام بين أضلاع العاشقين وفجر في دواخلهم براكينَ من الأحاسيس أطاحت الممنوع والمغلق ، مثلما كان في شعره السياسي يفضح العري المستتر وينشر الرعب والفوضى بين صناع القرار .
قصيدته (خبز وحشيش وقمر)، أيقونة انكسرت في معبد، فأثارت الهلع قبل أن تكسر جدار الصمت، مما حدا بالمجلس النيابي أن يطرحها على جدول النقاش :

في ليالي الشرق لما

يبلغ البدر تمامه

يتعرى الشرق من كل كرامه

ونضال

فالملايين التي تركض من غير نعال

والتي تؤمن في أربع زوجات

وفي يوم القيامة

الملايين التي لا تلتقي بالخبز

إلا في الخيال

والتي تسكن في الليل بيوتا

من سعال

وفي قصيدته هوامش على دفتر النكسة ، أثار زوبعة أزاحت الغبار عن الزيف المدفون في دهاليز السياسة :



أنعي لكم يا أصدقائي

اللغة القديمة والكتب القديمة

أنعي لكم كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة

صراخنا أعلى من أصواتنا

وسيفنا أطول من قاماتنا

لقد دخلنا الحرب

بكل ما يدخلها العربي من مواهب الخطابة

بمنطق الطبلة والربابة

بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة
لم يكن يعرف لغة التزلف والمواربة، وهذا ما جعله عصيا على الاستحواذ، فبقي مترفعا عن الكلام الذي ينسج في البلاط .
كان يستشرف المستقبل من خلال حسه المتجرد عن عهر السياسة :



ما تفيد الهرولة

عندما يبقى ضمير الشعب حيا

كفتيل القنبلة

لن تساوي كل توقيعات أوسلو خردلة

حمل العشق والياسمين في حله وترحاله، لا يخشى في العشق لومة لائم، أسس مدرسة مجانية للعاشقين، فنامت قصائده تحت وسائد الحالمات، وتناقلتها رسائل المغرمين :

ليس حبي لك يا سيدتي …زينة أو ترفا

أو ورقا ألعبه عند الضجر

ليس حبي لك يا سيدتي

معطفا ألبسه عند السفر

أنا مضطر إلى حبك حتى

أعرف الفارق ما بيني وما بين الحجر

وصل في إعجابه بنفسه إلى درجة النرجسية وكانت شخصيته وكتاباته موضوعا لرسالة دكتوراه في علم النفس ( النرجسية في أدب نزار قباني ) للباحث خريستو نجم.
لاكته ألسن النقاد والباحثين ونبذته أقلام الساسة فما انقصف له غصن ولا كلّ عن الإفصاح عن هواه. وبقي يمدنا باللغة التي لا نجهلها ولكن لا نعرف كيف نجعلها جميلة ومقنعة.
ما من عربي أو عربية لم يقرأ يوما نزار قباني، فهو حتما قد سمعه من خلال أصوات الصحابة والصحابيات ( نجاة وعبد الحليم وأم كلثوم وفيروز ) أو من خلال التابعين والتابعات (كاظم وماجدة الرومي وأصالة ) ومن يتنكر لذلك فلا بد أن نزار قد دخل عليه دون استئذان من خلال جريدة أو مجلة مهما كانت ضيقة الانتشار .ولم تفلت من غزله حتى أمه :



صباح الخير يا حلوة

صباح الخير يا قديستي الحلوة

مضى عامان يا أمي

على الولد الذي أبحر

برحلته الخرافية

وخبأ في حقائبه

صباح بلاده الأخضر

وخبأ في ملابسه

طرابينا من النعناع والزعتر

وليلكة دمشقية.




أزاح الستار عن الممنوع وكسر طوطم الحياء في الوصف المباح:

سمراء صبي نهدك الأسمر في دنيا فمي

نهداك نبعا لذة حمراء تشعل في دمي

متمردان على السماء..على القميص المنعم

صنمان عاجيان قد ماجا ببحر مضرم

صنمان … إني أعبد الأصنام رغم تأثمي

وها هي سفينة الملاح الأشقر قد حطت رحالها أخيرا ، وها هي روحه تصعد من بين الأمواج إلى السماء، لقد تعب قلب قائدها من السفر والتجوال ، ومصارعة التنانين والأنواء ،فبعد نصف قرن من الحب والشعر ما زالت مدائح عشقه معلقة على أبواب كل مدينة عربية محفورة في قلوب المسنين واليافعين، إن موت نزار هو موت الإصلاء في الحياة والحياة في الإصلاء ، فثمرة العشق التي زرعها في دواخلنا ، والنافذة الأبدية التي تركها مشرعة على حرياتنا، وأنهار العشق السبعة التي جعلها تسيل من عيون دمشق ، تبقى ودائع زاخرة لا تقدر بثمن تجعل من نزار قباني قيصرا يهز صولجانه كلما هبط المساء على الظهيرة.

المراجع:

نزار قباني .. الأعمال الشعرية الكاملة.

نزار قباني .. الأعمال الشعرية غير الكاملة.

موسوعة البابطين الالكترونية

بوابة الشعراء ..موقع الكتروني

النرجسية في أدب نزار قباني (أطروحة دكتوراه) مقدمة لكلية الآداب في الجامعة
الأمريكية ببيروت للباحث خريستو نجم.

فتافيت شاعر .. جهاد فاضل

الملحق الثقافي لجريدة النهار.. العدد الأول من شهر أيار عام 1998

ملحق الثورة الثقافي ..أيار 1998

ملحق جريدة البيان الإماراتية ..أيار 1998

مجلة الآداب البيروتية …أيار 1998

مدن في عيون الشعراء .. مجلة الصوت ، مجدولين الرفاعي ****

المواضيع المتشابهه:
هذا الموضوع من : عالم المرأة - من القسم : منقول من منتديات اخرى


hglghp hgHarv td `;vn hgvpdg … ulh] ufd] hgv[dl ugh[ ujd]