بائع متجول يضع دله كبيرة من القهوة على ظهره ، يتنفس ببطء ، ربما هو بحاجة لكمية أكبر من الأوكسجين ،
خلف أذنه تقبع سيجارة مجعدة صنعها بنفسه بعد أدائه لصلاة الفجر .
هو نشاطه المعتاد في كل يوم ، يمشي في الطرقات و بين الأزقة المكتظة بالبشر .
في كل صباح معتادون هم على رؤيته ببزته العتيقة وشعره الأبيض الناعم ،
بابتسامة عريضة يأكل شاربه الكثيف نصفها يستقبل زبائنه .
يشربون قهوة الصباح المرّة من دلته النحاسية اللامعة ثم يقدمون له ما تيسر من المال ،
هو لا يفرض عليهم سعر لقهوته المحببة لديهم ، فقهوته ذات مذاق حميمي كفيل بأن يدر عليه أرباح جيدة .

هو ليس بحاجة للمال ، لكنه يستمتع بأن ترسم قهوته بمذاقها المرّ ابتسامة الصباح على وجوههم .

درس مهم يعلمه لهم في كل صباح :
( قهوتي ... رغم مرارتها يا أبنائي ، إلا أنها تبعث في نفوسكم الدفء ،
لتخرج لي ابتساماتكم باسطة ذراعيها للحياة في كل صباح .. حلاوة الأشياء تكمن في ذروة مرارتها ) .


وجوم ما يخيم على المكان ، الصباح عابس هذه المرّة ، والضباب يحجب الرؤيا ،
كل الأشياء تبدو منهكة وجامدة هذا الصباح ، حتى ابتسامته التي لا تفارق ملامحه العجوز .
جلس على حافة الرصيف المبلل ، وضع دلة القهوة إلى جانبه ، ثم رمقها بعيون دامعة وابتسامة شبه مرئية .

كان طوال تلك السنين يختبر صبر البشر ، فيزيد في كل مرّة مرارة قهوته ،
إلا أنهم لا ينفكون عن شرائها واحتسائها نصب عينيه !

في هذه المرّة زاد مرارة قهوته بصورة مبالغة ، لكن .. هناك شيء مختلف هذا الصباح ..
فالسماء خاوية و الأرض مبللة والضباب يغلق نوافذ الأمل .. !

مَن سيجرب قهوته شديدة المرارة هذه المرّة ؟ لا يوجد أحد .

تفحص المكان جيدا ثم نظر إلى نفسه ، هو من سيجرب ولأول مرة قهوته بنفسه !
تناول كوب من الفلين ، ملأه بالقهوة ثم تناول سيجارته المجعدة من خلف أذنه ،
أشعلها وبدأ رويدا يمتص سمها المحبب إليه .

نظر بإمعان إلى سواد القهوة وتعجب من أمر زبائنه ،
كيف يستطيعون ابتلاع قهوته !
رشفة قهوة واحدة كانت كفيلة بأن تأخذه في نوبة هستيرية من الضحك ،
بعد أن اكتشف أن طوال كل تلك السنوات لم تكن قهوته المرّة سوى قطعة سكر تكسر مرارة الأيام .. !

المواضيع المتشابهه:
هذا الموضوع من : عالم المرأة - من القسم : منقول من منتديات اخرى


ri,m lv~m lv'f