الفتيات وصلاة التراويح.. موضة فانية أم نزعة إيمانية نامية؟ 479563_womenw.jpg

صلاة التراويح في المسجد تقوي روح الاجتماع على الطاعة
اعتكاف النساء مزاحمة للرجال في المساجد!


كانت المرة الأولى في العام الماضي التي أعتكف فيها في أحد المساجد الملاصقة لمنزلنا، حيث استطعت المواظبة على صلاة التراويح، ثم التهجد والاعتكاف حيث يتواجد معي زوجي في نفس المسجد.
في أول الأيام كان عدد الفتيات قليل للغاية في حين أن النساء الكبيرات في السن عددهن أكثر، لكنه تزايد بشكل كبير مع اقتراب العشر الأواخر من رمضان.. حاولنا التعرف على سبب إقبال الفتيات – من مختلف الدول العربية - في الفترة الأخيرة على صلاة التراويح والمحافظة على التواجد مع تكبيرة الإحرام، ثم الاعتكاف في العشر الأواخر والتهجد، ونواياهم لذلك، وهل هي "موضة" سيذهب عهدها، أم هي بالفعل نزعة إيمانية جميلة بدأت تنتشر بين الفتيات وفي طريقها للزيادة.. خاصة في شهر رمضان التي تزداد فيه الحسنات.


صلاة التراويح بداية الالتزام
بداية تقول إيمان – 20 سنة – من مصر: " بدأت اعتكف في العشر الأواخر منذ عامين تقريباً، وهي بداية التزامي الحقيقي وإقبالي على الله وعلى الطاعات، وكان ذلك عبر دعوة أخي الأكبر أن أجرب معه، وبالفعل سعدت كثيراً فمع الاعتكاف أشعر بأني مع الله وحدي من بين كل هذه الأمم من البشر، أشعر بحلاوة الدعاء وأنا في ركن مظلم بالمسجد في الثلث الأخير من الليل، والاعتكاف ساعدني على المواظبة على جميع الصلوات على وقتها وفي جماعة، فرمضان يساعدنا على الاجتماع على طاعة الله عز وجل".
أما نور الدميري – 22 سنة – من الأردن فتشكو قائلة:" للأسف والدي وأخوتي الشباب يعتكفون منذ بداية النصف الثاني من رمضان في أحد المساجد خارج مدينتنا، ويرفض أبي دائماً أن اعتكف وحدي، رغم إني أشتاق لذلك لما سمعته عن حلاوة الاعتكاف من صديقاتي، فليس أمامي إلا الاعتكاف في المسجد المجاور لبيتنا من فترة الظهر حتى قبيل المغرب بلحظات، وأقضي بضع ساعات بنية الاعتكاف أيضاً بعد صلاة التراويح، وأحاول كثيراً المواظبة على صلاة الفجر في المسجد مع أخوتي إن كان متاحاً!!".
وتسرع إلينا جمانة محمود – 23 عاماً – قطرية الأصل ومقيمة في مصر للدراسة قائلة: " للأسف من لم تذق حلاوة الاعتكاف من قبل لن تشتاق إليه بين رمضان ورمضان التالي، فأيام أكون مع صديقاتي فنستشعر حلاوة القيام سوياً بعد صلاة التهجد مع الإمام الذي يملك صوتاً ندياً تخشع له القلوب وتذرف له العيون، وصراحة لقد منعنا اعتكاف أي من النساء الآتي معهن أطفال! لأنهن يفسدن علينا اعتكافنا، خاصة عندما يبكون عندما نطفئ الأضواء أثناء الصلاة الجماعية أو الدعاء".
من الأراضي المقدسة معانِ أخرى
أما فداء عياش – 18 سنة – من فلسطين فتعبر عن مشاعرها الفياضة قائلة: "رمضان في فلسطين هو البلسم الذي يداوي جراح عام مضى منذ رمضان الذي سبقه، وقد اعتدنا أنا وصديقاتي أن نقوم بختم القرآن مرة خاصة في العشر الأواخر في مسجد قبة الصخرة حسب الأيام المتاحة لنا للذهاب، وصدقاً تكون أياماً رائعة عندما نتفق على حفظ سورة معينة خلال العشر أيام، ثم نكلف إحدى السيدات بتسميعنا ونتوج فائزة علينا، كما إني أحضر معي كل عام مذكرة صغيرة أدون فيها خواطري، التي قد تحمل معانِ ما بين الحزن والأمل".
أما لبنى 28 عاماً من الجزائر فتقول: "غير مسموح لنا بالذهاب متأخراً خارج البيت، ولا حتى المبيت، لذلك نواظب على صلاة التراويح فقط، لكن التهجد والاعتكاف غير مسموح به للفتيات طوال أيام رمضان إلا ليلة 27 من رمضان".
وتتفق معها منال إسماعيل – 24 سنة – من أرض الحرمين قائلة: " عندنا اعتكاف الفتيات شيء غير معتاد ، لكننا نواظب على صلاة التراويح مع أهلنا خاصة مع ما يتميز به الحرم النبوي الشريف من رومانسية جميلة يصاحبها خشوع ورقة في قلب المصلي، كما أنه يكون للعشر الأواخر طعم آخر، فقد حبانا الله بهذا المسجد الرائع لنصلي فيه".
لا للاعتكاف!!
أما مؤمنة – 23 سنة – من مصر فتقول: "أنا أعارض فكرة اعتكاف الفتيات بشكل تام فالآية واضحة و صريحة، فيجب البعد عن ضياع الأوقات في كثرة الخروج من المنزل في رمضان، ومزاحمة الرجال في الدخول والخروج من المسجد، فلم يخلقنا الله لهذا بل خلقنا لعبادته في البيت وأمرنا بالقرار فيه وعدم الخروج إلا لحاجة ملحة حيث قال سبحانه: "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" .
وترد عليها مؤنسة – 26 سنة – من الجزائر قائلة: "أنا لا أعارض فكرة الاعتكاف في المسجد نفسها فقد قال النبي e"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن" لكني أحب الانعزال عن الناس جميعاً في شهر رمضان، وفي العشر الأواخر خاصة، بحيث لا أخرج من غرفتي نهائياً، فأختلي بنفسي مع الله تعالى أعبده وأناجيه, فأنا بحاجة إلى ذلك حتى أقرأ القرآن متى أحب, و أسجد وأطيل في سجودي حينما أحتاج لذلك، وأدعو وأبكي و أشكو لله همومي كما أحب بعيداً عن أعين الناس, فالقلب يحيي وينشط بعبادة الله في الخفاء".


وتضيف مؤنسة: " ورغم هذا فالحديث واضح في صحيح البخاري.. حدثنا ‏ ‏أبو النعمان ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حماد بن زيد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى ‏عن ‏‏عمرة ‏عن ‏عائشة ‏رضي الله عنها: ‏كان النبي‏ ‏يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فكنت أضرب له ‏ ‏خباء ‏ ‏فيصلي الصبح ثم يدخله فاستأذنت حفصة ‏ ‏عائشة ‏ ‏أن تضرب ‏ ‏خباء ‏ ‏فأذنت لها فضربت ‏ ‏خباء ‏ ‏فلما رأته ‏ ‏زينب ابنة جحش ‏ضربت خباءً آخر، فلما أصبح النبي ‏‏e‏ ‏رأى ‏ ‏الأخبية ‏ ‏فقال ما هذا فأخبر فقال النبي e‏ ‏أالبر ‏ ‏ترون بهن فترك ‏ ‏الاعتكاف ‏ ‏ذلك الشهر ثم اعتكف عشراً من شوال".
أمر مشروع
توجهنا إلى الشيخ معتز البنهاوي الأستاذ بقسم الشريعة بجامعة الأزهر والذي يوضح قائلاً: " الاعتكاف هو لزوم المسجد والإقامة فيه بنية التقرب لله عز وجل بالصلاة وتلاوة القرآن والقيام وادعاء وغيرها من الطاعات، والمكوث في المسجد وهو طرد مؤقت لشئون الدنيا من القلب وللبيوت وهمومها، وإقبالٌ مضاعَفٌ على الآخرة وما فيها ، والعاكف بالمسجد يتفرغ لطاعة ربه، ولا يُسمح له بالخروج من المسجد إلا لقضاء حاجته أو لإحضار طعامه إذا لم يكن له من يأتيه به، فإذا خرج من المسجد بطل الاعتكاف، ويلزم تجديد النية إذا عُدت بقصد الاعتكاف.


والاعتكاف أمر مشروع، فقد تحدث القرآن بشأن بناء الكعبة في عهد سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود﴾، وهو سنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان؛ لحديث عائشة- رضي الله عنها- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله تعالى ويقول: "تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، ثم اعتكفت أزواجه من بعده".. وبالتالي فإن اعتكاف النساء أمر مشروع على أن يتم في ظروف مناسبة كأن لا تسافر وحدها لأجل الاعتكاف بل أن يصاحبها محرم لها، وأن تحافظ على آداب الاعتكاف في المسجد.


فلا يصح الاعتكاف من حائض ولا نفساء ولا جنب، والكف عن شهوة الفرج والوطء ولو ليلاً خارج المسجد، بل ويحرُم على المعتكف كلُّ مقدمات الوطء، كالقبلة واللمس والانشغال بهذه الشهوات، كما أن المرأة لا يصح لها أن تعتكف في مسجد بيتها، وقد صحَّ أن أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- اعتكفن في المسجد النبوي.


ويستحب للمعتكف: أن يداوم على الطاعات وعلى ذكر الله والإكثار من النوافل، والتسبيح والتحميد والتكبير والاستغفار والصلاة على النبي صلوات الله وسلامه عليه والدعاء، والتضرع، وأيضًا دراسة العلم وقراءة سِيَر الصالحين من السف الصالح، ولا يشغل نفسه بما لا يعنيه، من قول أو عمل، ففي الحديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

المواضيع المتشابهه: